لِمَاذَا التَّكفِير
إنَّ التكفيرَ حُكمٌ شَرعِي كالتفسيقِ والتبديعِ, فإنَّ أهلَ البدعِ والأهواءِ - مِن الخَوارج والمرجئة - أخطئوا في فهم أنَّ التكفيرَ حكمٌ كسائرِ الأحكام الشرعية الأخرى، من حيثُ انضباطِه بضوابطٍ شرعيةٍ مستمدةٍ من المصادر المعتبرة في التلقي؛ من كتابٍ وسنةٍ صحيحةٍ وإجماعٍ ، ولا يجوزُ لأحدٍ مَهمَا عَلا كعبهُ فِي العلمِ أو عَظُمَ شأنُهُ أن يَتكَّلمَ في شئٍ مِن أحكامِ التَّكفير مِن غير مستندٍ شَرعِي يؤيدُه، وإلا كانَ كلامه تألِّيًا على اللهِ وتقوُّلًا عَليهِ سُبحَانَهُ بغيرِ عِلمٍ.
وقَالَ الإمامُ ابن حزم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (لا نسمي في الشريعة اسمًا إلا بأن يأمرنا الله تعالى بأن نسميه أو يبيح لنا الله بالنص بأن نسميه، لأننا لا ندري مراد الله ? منا إلا بوحي وارد من عنده علينا، ومع هذا فإن الله ? يقول منكرًا لمن سمى في الشريعة شيئا بغير إذنه ?: ?إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى?، وقَالَ تعالى: ?وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا?، فصح أنه لا تسمية مباحة لملك ولا لإنس دون الله تعالى، ومن خالف هذا فقد افترى على الله ? الكذب وخالف القرآن، فنحن لا نسمي مؤمنا إلا من سماه الله ? مؤمنا، ولا نسقط الإيمان بعد وجوبه إلا عمن أسقطه الله ? عنه(الفصل في الملل والأهواء والنحل: 3/191.) .
و قال ابن تيمية (إن الاسم الواحد يُنفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به فلا يجب إذا ثبت أو نفى في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام وهذا في كلام العرب وسائر الأُمم ( الفتاوى 7/419-418 ،وقال أيضا( الإيمان والكفر هما من الأحكام التي تثبت بالرسالة ، وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن والكافر لا بمجرد الدلالة العقلية ) الفتاوى 3/328 ، وراجع الفصل 3/192) 0
وإنَّ الحكمَ بالكفرِ أو بالإسلامِ مترتِّبٌ عليه أحكام فِي الدُّنيَا قَبلَ الآخرَةِ:
ويقصد بالأحكام:مثل المناكحة والموارثة والمحبة والموالاة والنصرة والمعاداة والبراءة وإقرار ولايته والصلاة خلفه وعليه وتضليل من كفره ومساكنته والدعاء له أو عليه وسبه ولعنه والجزية والصغار والقتل والقتال والتعذيب والنار والعقوبة وحل نسائهم أو عدمه وحل ذبائحهم أو عدمه والدفن في أي المقابر وأمثال ذلك.
قالَ تَعَالى ?مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ? ( التوبة 113) وَغَيرِهَا مِن الأحكَامِ التِي تَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ.