يَتَوَلَّى المَجلِسُ التَّشرِيعِي مُهِمَّتَََهُ فِي التَّشريعِ - من دون اللهِ - ليَسنَ القوانينَ التي مَا أنزلَ بِهَا مِن سُلطَان ويَمسَخَ دِينَ اللهِ ?.
وَلا يَنظُر هَذَا المَجلسُ أَيُخَالِفُ تَشرِيَعُهُ تَشرِيعَ اللهِ أَم لا, فَعِندَهُم لا إِلَه إلا الرَّئِيس وَرَئِيس الوُزَرَاء وَلا مُشَرِّعَ إلا المجلس التشريعي تعالى اللهُ عُلُوًَّّا كَبِيرًَا.
وَعَلَى العُمُومِ فَإنَّنَا نَقُولُ: كُلُّ مَن جَعَلَ خَاصِّيةَّ التَّشرِيعِ - التَّحلِيلَ والتَّحرِيمَ، التَّحسِينَ والتَّقبِيحَ - لِنَفسِهِ مِن دُونِ اللهِ وأَخَذَ يُشَرِّعُ للعِبَادِ مَا يَهوَاهُ وَيَرَاهُ؛ فَهُوَ طَاغُوتٌ، يَجِب تَكفِيرُه وَالكُفرُ بِه، وأيُّمَا مَخلُوقٍ يَعتَرِفُ لَه بِهَذا الحَقِّ ويَتَحَاكَم إلى مَا يَصدُرعَنه؛ فَقَد أَقََرَّ لَه بالإلَهِيةِ واتّخذهُ مَعبُودًَا وندًا للهِ تَعَالَى.
والتَّشرِيعُ المُضَاهِي لِشَرعِ اللهِ تَعَالى؛ طَاغُوتٌ، وَقَد تَقَدََّمَ مَعَنَا فِي تَعرِيفِ الطَّاغُوتِ أنَّ أَهلَ العلمِ أدخَلوا مَن شَرَّعَ التَّشرِيعَاتِ المُضَاهِيةِ لِشَرعِ اللهِ وَغَيرِها فِي مُسَمَّى الطَّاغُوتِ.
وَمِمَّا يَدخُلُ فِي هَذَا النَّوْعِ؛ الدَّسَاتِيرُ الوَضْعِيَّةُ الوَضِيعَةُ الَّتِي صَاغَتهَا عُقُولُ البَشَرِ لِتَحْكُمَ البِلادَ وَالعِبَادَ, وَلِشدّةِ رَهبَةِ القَومِ مِنَ الدُّستُورِ؛ فَإنَّهُم يَتَصَوَّرُونَ أَن يُخرِجُوا عَلَى كُلِّ شّيءٍ سِوَى الدّستُورِ، فَالدُّستُورُ عِندَهُم فَوقَ التَّعقِيبِ والنّقدِ وِالاعتِرَاضِ، وَالوَيلُ كُلَّ الوَيلِ لِمَن تُسَوِّل لَهُ نَفسَُُهُ إهَانَةَ الدُّسْتُورِ وَالتَّطَاوُل عَلَيِْهِ.
فَإنْ قِيلَ؛ الطَّاغُوتُ هُوَ اْلَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ فَأينَ تَكْمُنُ عِبَادَةُ التَّشْرِيعِ؟
مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ عِبَادَتَهُ تَكْمُنُ مِن جِهَةِ التَّحَاكُمِ إلَيهِ وطاعتِه والأخذِ بنصوصِهِ وأحكامِهِ مِن غيرِ تعقيبِ أو تقديمِ بشيء يدلُّ عَلَى التعقيبِ والاعتراضِ، فأصبحَ بذلكَ مُطاعًا لِذَاتِهِ, وتقدمَ أنَّ المُطاعَ لذاتهِ من دونِ اللهِ معبودٌ مِنْ جهةِ عقدِ الولاءِ والبراءِ فيهِ وعليهِ، وَمَن كَانَ كذلكَ فَهُوَ طاغوتٌ, وقد تختلفُ أشكالُهُ وصورُهُ، فقد يكونُ حَاكمًا أو شَيخًا أو زَعيمًا أو وطنًا أو قَومًا.
وَهذا معناهُ وبكلِّ وقاحةٍ ووضوحٍ؛ أنهم بذلكَ قد رضوا لأنفسهِمْ بأَن يُمارسُوا خصائصَ الربوبيةِ والإلوهيةِ، وأنْ يجعلوا مِنْ أنفسِهِمْ أندادًَا وأربابًَا عَلَى العَبيدِ يعبِّدونَهم لِأهوائهِمْ وشَرَائعهِمْ القَاصِرَةِ من دونِ اللهِ تَعَََالى.
فَمََََن ادَّعَى الحقَّ بالتشريعِ بما يريد؛ إنَّما يدَّعِي الإلوهيةَ عَمَلًا، ويزاولُهَا سلوكًَا، وإِن كَانَ لا ينطقُ بها لفظًَا ،وسواءَ كانَ هذا المُدَّعِي؛ هُوَ طبقةٌ من الشعبِ، أو الشعبُ كلُّه، أو حزبٌ، أو منظمةٌ عالميةٌ أو محليةٌ أو هيئةٌ، أو فردٌ، فالنتيجةُ واحدةٌ، وهي انتزاعُ حق ربِّ النَّاس في التشريعِ للناسِ.