الصفحة 95 من 122

قال الشيخ أحمد شاكر في شرحه وتحقيقه (لسنن الترمذي) بعد ذكره أسماء القائلين بجواز الجمع للعذر والحاجة ما نصه: (وهذا هو الصحيح الذي يؤخذ من الحديث -حديث ابن عباس- ، وأما التأول بالمرض، أو العذر أو غيره فإنه تكّلف لا دليل عليه وفي الأخذ بهذا -جواز الجمع للحاجة- رفع كثير من الحرج عن أناس قد تضطرهم أعمالهم، أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين، ويتأثمون من ذلك ويتحرجون، ففي هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة ما لم يتخذه عادة، كما قال ابن سرين.(1)

ويوضح ابن تيمية وجهة نظر ابن عباس فيقول: (فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر، وقد استدل بما رواه على ما فعله، فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأي أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع . فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تعرض له كما قال: أراد ألا يحرج أمته) .

ومعلوم أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر ـ أيضا ـ فإنه لو كان جمعه للسفر، لجمع في الطريق، ولجمع بمكة، كما كان يقصر بها، ولجمع عندما خرج من مكة إلى مني وصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف، ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل يصلي كل صلاة ركعتين غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه ـ أيضًا ـ كان للنسك، فإنه لو كان كذلك، لجمع من حين أحرم، فإنه من حينئذ صار محرمًا، فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع، جمعوا . (2)

(1) سنن الترمذي تحقيق أحمد شاكر 1/358.

(2) مجموع الفتاوى 24/77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت