فهرس الكتاب
ثالثًا: وأما النصارى (1)
(1) 53 ) إنَّ النصارى قوم لهم في نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام ، وفي كتابهم الإنجيل عقائد ومذاهب شتى ، أما في عيسى عليه السلام فمنهم من قال أنه إله ، ومنهم من قال أبن إله ومنهم من قال أنه ثالث ثلاثة ، ولهذا يسأل الله تبارك وتعالى عيسى عليه السلام يوم القيامة من دون باقي الأنبياء عن هذا الأمر فيتبرأ عليه السلام منهم ومن قوله هذا الذي إفتروه عليه ، فقال تعالى { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُون = = لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } [المائدة: 116] .
قال الشيخ محمد حسان في شريط مفرغ (( مجيء الرب جل جلاله: 7 ) ): (( ثم يدعى عيسى عليه السلام ويقال له يا عيسى: { ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } [ المائدة: 116 ] لماذا خص الله عيسى من بين سائر الرسل بهذا السؤال ؟!!
لأنه ما من رسول بعث في قومه إلا وقد آمن به من آمن من قومه ، وكفر من كفر ، إلا قوم عيسى فمنهم من قال: إن عيسى هو الله !! ومنهم من قال أن عيسى هو أبن الله !! ومنهم من جعل عيسى وأمه إلهين من دون الله !! فهل هناك إله يأكل ؟! إله يشرب ؟! إله يتزوج ؟! إله يقضى حاجته ؟!! .... )) أ . هـ
وللإمام أبن القيم رحمه الله مقالة جمع فيها عقيدة القوم ، مبيِّنًا بطلانها وزيفها فقال في (( إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: 2 / 112 ) ): (( قالوا: نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء صانع ما يرى وما لا يرى وبالرب الواحد يسوع المسيح أبن الله الواحد بكر الخلائق كلها الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها وليس بمصنوع ، إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء ، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا وحمل به ثم ولد من مريم البتول وألم وشج وقتل وصلب ودفن وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه ، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء ، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه روح محبته وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قديسية جاثليقية وبقيامة أبداننا والحياة الدائمة إلى أبد الآبدين فهذا العقد الذي أجمع عليه الملكية والنسطورية واليعقوبية وهذه الأمانة التي ألفها أولئك البتاركة والأساقفة والعلماء وجعلوها شعار النصرانية
ثم قال ( ص: 2 / 219 ) : (( ومن المعلوم أن هذه الأمة ارتكبت محذورين عظيمين لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة:
أحدهما: الغلو في المخلوق حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه وإلهًا آخر معه ونفوا أن يكون عبدًا له . =
=والثاني: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم حيث زعموا أنه سبحانه وتعالى عن قولهم علوًا كبيرًا ، نزل من العرش عن كرسي عظمته ودخل في فرج امرأة وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن ثم خرج من حيث دخل رضيعًا صغيرًا يمص الثدي ولف في القُمُطِ وأودع السرير يبكي ويجوع ويعطش ويبول ويتغوط ويحمل على الأيدي والعواتق ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوا في وجهه وصفعوا قفاه وصلبوه جهرا بين لصين وألبسوه إكليلا من الشوك وسمروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم وهو المعبود المسجود لهو لعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم .
وقال ( ص: 226 ) مبينًا بطلان عقيدتهم:
أعبَّاد المسيح لنا سؤالٌ نريد جوابه ممن وَعَاه
إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه فما هذا الإله
وهل أرضاه ما نالوه منه فبشراهم إذا نالوا رضاه
وإن سَخِط الذي فعلُوُه فيه فقوَّتهم إذا أوهت قواهُ
وهل بقي الوجود بلا إله سميع يستجيب لمن دعاهُ
وهل خلتِ العوالمِ من إله يدبِّرها وقد سُمِرَت يداه
وكيف تخلتِ الأملاكُ عنه بنصرهم وقد سمعوا بكاهُ
وكيف أطاقتِ الخشباتُ حمل الإله الحق شدَّ على قفاهُ
وكيف دنا الحديد إليه حتى يخالطه ويلحقه أذاهُ
وكيف تمكنت أيدي عِدَاه وطالت حيث قد صفعوا قفاه
وهل عاد المسيحُ إلى حياةٍ أم الُمحيي له ربٌّ سواهُ
ويا عجبًا لقبر ضم ربًا وأعجب منه بطنٌ قد حواهُ
أقام هناك تسعًا من شهور لدى الظلماتِ من حيضٍ غِذَاهُ
وشق الفرج مولودًا صغيرًا ضعيفًا فاتحًا للثدي فاهُ
ويأكل ، ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك ، هل هذا إلهُ
تعالى الله عن إفك النصارى سَيُسأل كلهم عمَّا افتراهُ
فهلاّ للقبور سَجَدْت طُرًا لضم القبِر ربكَ في حُشاه =
= فيا عبدَ المسيحِ أفق ، فهذا بدايتُه وهذا منتهاهُ ))
( 54 ) شرح العقيدة الطحاوية: 1 / 171بتحقيق د . عبد الله عبد المحسن التركي وشعيب الأرنؤوط .