فهرس الكتاب
فهذا الشاعر الذي يعظمه كثير من المسلمين ويترنمون بقصيدته هذه المشهورة بالبردة ويتبركون بها ، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم ، ويعدون ذلك قربة إلى الله تبارك وتعالى ، ودليلًا على محبتهم نبيهم صلى الله عليه وسلم أقول: هذا الشاعر قد ظن النهي الوارد في الحديث السابق منصبًَّا فقط عن الادعاء بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم أبن الله ، فنهي عن هذه القولة ودعا إلى القول بأي شيء آخر مهما كان . وهذا غلط بالغ وضلال مبين ، ذلك لأن للإطراء المنهي عنه في الحديث معنيين أثنين:
أولهما: مطلق المدح .
وثانيهما المدح المجاوز للحد .
وعلى هذا فيمكن أن يكون المرد من الحديث النهي عن مدحه صلى الله عليه وسلم مطلقًا من باب سد الذريعة ، واكتفاء باصطفاء الله تعالى له نبيًا ورسولًا وحبيبًا وخليلًا ، وبما أثنى سبحانه عليه في قوله: ? وإنك لعلى خلق عظيم ? [ القلم: 4 ] ، إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله تبارك وتعالى هذا ؟ وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه ؟ وإن أعظم مدح له صلى الله عليه وسلم أن نقول فيه ما قال ربنا عز وجل: إنه عبد له ورسول ، فتلك أكبر تزكية له صلى الله عليه وسلم وليس فيها إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير .
وقد وصفه ربنا سبحانه وهو في أعلى درجاته وأرفع تكريمًا من الله تعالى له ، وذلك حينما أسرى وعرج به إلى السماوات العلى حيث أراه من آيات ربه الكبرى وصفه حينذاك بالعبودية فقال: ? سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ? [ الإسراء: 1 ] .
ويمكن أن يكون المراد: لا تبالغوا في مدحي فتصفوني بأكثر مما أستحقه وتصبغوا علي بعض خصائص الله تبارك وتعالى .
ولعل الأرجح في الحديث المعنى الأول لأمرين اثنين: