فهرس الكتاب
ولما كان الذين آمنوا هم الذين يأخذون بالقرآن دون غيرهم فقد خُصوا بالذكر والإنتفاع .
فالقرآن هو معجزة الله تعالى الخالدة ، الذي لا يخلق بكثرة الأخذ والإتيان ، ولا يبلى بتعاقب الأيام والزمان ، لا تنفذ عجائبه ولا تنتهي أسراره وغرائبه ، تولى الله تبارك وتعالى جمعه وَقُرْآنَهُ ، ووعد بتفصيله وبيانه ، فمنه بدأ وإليه يعود ، حيث نزل على رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) وحيًا ، وسماه الله تعالى روحًا ونوراُ ، وجعله لعباده حجة ودستورًا ، فمن تمسك به نجى وعُصِم ، ومن نبذه اندحر وقُصِم ، وعد الله بحفظه و تَكفَّل بصيانته ، فلا تمتد إليه يد العابثين ، ولا تسعى إليه يد الطامعين .
قال تعالى ? إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ? [الحجر: 9] .
وفي صحيح مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ ( - صلى الله عليه وسلم - ) قَالَ: (( مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيَ إِلاّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيات مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَر ُ، وَإِنّمَا كَانَ الّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى الله إِلَيّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).
قال الإمام النووي: (( فالحديث اختلف فيه على أقوال:
أحدها: أن كل نبي أعطى من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء فآمن به البشر ، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة فهي القرآن ، الذي لم يعطِ أحد مثله ، فلهذا قال: أنا أكثرهم تابعًا .
والثاني: معناه أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل بسحر وشبهة ، بخلاف معجزة غيري ، فإنه قد يخيل الساحر بشيء مما يقارب صورتها ، كما خيلت السحرة في صورة عصا موسى صلى الله عليه وسلم ، والخيال قد يروج على بعض العوام ، والفرق بين المعجزة والسحر والتخييل يحتاج إلى فكر ونظر، وقد يخطئ الناظر فيعتقدهما سواء .