وبعد هذا الاستعراض المجمَل لمواقف هؤلاء من نبي الرحمة ( - صلى الله عليه وسلم - ) ـ والتي سيأتي لها مزيد تفصيل بين ثنايا هذا البحث ـ فإنه يمكن أن نقول: أن حالهم لا يخلو أن يكون أحد أمرين وكلًا منهما ضلالة وسفه: إما جهلًا منهم بمنزلة النبي وفضله ودوره في صنع الحياة لأمة كانت تموج بالكفر والضلالة موجًا ، وإما تجاهلًا منهم له كنبي وإنسان .
وإلا فهل يمكن أن تكون الجمادات الصماء والوحوش العجماء أكثر حبًا وتبجيلًا وتعظيمًا للنبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) وأصحابه الكرام من هؤلاء الذين يحسبون عليه وعلى أمته:
1 )فهذا جذع نخلٍ كان النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) يرتقيه ويصعد عليه يوم الجمعة ، حَنَّ وأنَّ شوقًا وحزنًا لما فارقه النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) بعد أن صنعوا له منبرًا أخرًا غيره .
روى الإمام البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان جذع يقوم إليه النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه .
قال الإمام أبن حجر في (( فتح الباري شرح صحيح البخاري: 6/ 715 ) ): (( كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخل: أي إن الجذوع كانت له كالأعمدة .
قوله: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم إلى جذع منها: أي حين يخطب وبه صرح الإسماعيلي بلفظ:كان إذا خطب يقوم إلى جذع .
قوله: (( كصوت العشار ) )بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة جمع عشرا تقدم شرحه في الجمعة والعشراء الناقة التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر ، ووقع في رواية عبد الواحد بن أيمن: فصاحت النخلة صياح الصبي ، وفي حديث أبي الزبير عن جابر عند النسائي في الكبير اضطربت: تلك السارية كحنين الناقة الخلوج انتهى .