فهرس الكتاب
ولو سحبنا فقه العبيكان على مسائل أخرى، لقلنا إنه يدعو إلى الخروج على ولي الأمر إقتداء بموسى عليه السلام حيث خرج على ولي أمره فرعون مصر، وكانت مصر قد دانت له فخرج موسى عليه وأنكر عليه علنا وألب الناس ولم يرع تربية فرعون له ورعايته له وإنفاقه عليه. وكذا ما فعله إبراهيم عليه السلام عندما خالف والده واتهمه وقومه بالضلال ثم قام بتغيير المنكر بيده مفتئتا على ولاة أمره وأولهم والده فكسر الأصنام وكان يمكن أن يكتفي بالنصح والتوجيه والدعوة السلمية. وكذا سائر الأنبياء في خروجهم على ولاة الأمر في زمانهم على حد زعم العبيكان. إلى غير ذلك من صور تدل على فساد هذا الفهم.
إذن لا يصلح الاستدلال بتلك القصة لأنها من شرع من قبلنا.
الثاني: لو سلمنا جدلا بأن شرعهم شرع لنا فالبعد بين الدليل والمستدل عليه بعد ما بين المشرقين ومع غض الطرف عن كون يوسف عليه السلام نبي كريم مؤيد من الله، فلا يمكن أن يقارن برجل عادي فضلا عن بعثي خائن، فإن يوسف عليه السلام كان: عبدا، أسيرا، مسجونا، وحيدا، في بلد غير بلده، غير مأمور بقتال، لم يعتد عليه الملك ولم يسلب منه أرضه ويقتل أهله وينتهك عرضه. ثم ولاه الملك لثبوت صلاحه وعلمه وخوله ليحكم بشريعة الله تعالى كيفما شاء دون سلطان من أحد عليه كما قال تعالى: ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء .... ) وأي أمر أعظم من التمكين في الأرض ؟؟ فأقام يوسف العدل وحكم بالقسط ولم يكن ثمة قتال وحرب ولا دماء ولا أشلاء. وأما الحالة المستدل بها، فجيش كافر مستكبر متجبر أهلك الحرث والنسل وتعاون معه الخونة والأفاكون ومتاجرو الأعراض أمر الله سبحانه بقتالهم ودفعهم وحرم الفرار من أمامهم فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير.)