وعندئذٍ حُقَّ لمن يندهش أن تأخذه الدهشة فيقول:
ما بال هؤلاء القوم ، إذن من أهل هذا العصر من المستشرقين ومن تابعهم ، يرومون إسقاط منهج المُحَدِّثِين في الرواية ونقدها ؟ !
وما بالهم يطعنون فيما لم يَصِلوا إلى مستواه من الثقة والتوثق ولن يصلوا !
حقًّا إن منهج المُحَدِّثِين ليس قواعد علمية نظرية منضبطة فريدة فحسبُ ، وإنما هو أيضًا قد بقي بصور التثبت هذه - بروعتها وتعددها - وثائق ناطقة لا تشهد فقط لمنهج المُحَدِّثِين بالثقة ، ولكن تشهد بالإعجاز الإلهي في طريقة النقل هذه التي لا مزيد عليها في الثقة والتثبت ، والتي لا يمكن أن يصل إلى مستواها أحدٌ فضلا عن أن ينقضها ناقض .
نعم يتجلى في هذا الإعجازُ الإلهيُّ في عمل البشر المخلوقين ، ليتبين بذلك أن هذا الدين حقٌّ لا مرية فيه ، فتبارك اللَّه رب العالمين ! !
والكلام هنا عن تأسيس منهج المُحَدِّثِين على التثبت ، وما اقتضاه منهم من ابتكار مختلف صور التثبت ، التي اشتمل عليها منهجهم ، وما كان وراءه من التسخير الإلهي لهم للقيام بهذه المهمة على هذا النحو ، وهذه حقيقةٌ ، لا مَفَرَّ مِن التسليم منها ، والخضوع لها كذلك ، وليس المراد من هذا الدعوة إلى اليأس ، وازدراء النفس ، واستبعاد استطاعتنا أن نقوم بشيءٍ مِن الواجب تجاه هذه السنة النبوية ، وهذا العلم الشريف ، كَلاّ ، فإنّ أمامنا مجالاتٍ كثيرةً للقيام بهذا الواجب (1)
(تنظر الإشارة إلى بعض هذه المجالات في خاتمة البحث . )
ولكننا ينبغي أن لا يغيب عن البال ، أيضًا ، أننا في مجمل أعمالنا المنتظرة هذه عالة على أصول منهج المُحَدِّثِين ، شئنا أم أبينا ، لكن هذا لا يعني أن لا نتقدم أو
(1) تنظر الإشارة إلى بعض هذه المجالات في خاتمة البحث .