تكفّله سبحانه بحفظ القرآن أمرٌ قدريٌّ كونيٌّ ، وأما واجب عبادِهِ تجاه حفظ كتابه والدفاع عنه والدعوة إليه فواجب شرعي ، ولا تعارض بينهما ، بل إن مما يتجلى فيه حفظ اللَّه للكتاب الكريم جهود عباده المؤمنين !
هكذا اقتضت حكمة اللَّه تعالى ، لكنَّ الْجُهْد البشريّ ليس شرطًا يتوقف عليه الحفظ الإلهي للكتاب ، وهكذا الحال بالنسبة إلى السنة النبوية .
ولقد لفت اللَّه الأنظار إلى التأكيد بأن إنزال القرآن ، منذ أول الأمر ، وحفظه ليس عملا بشريًّا إطلاقًا ، وإن كنت متطلعًا إلى بعض الآيات في هذا المعنى فاستمعْ: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ . وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ . أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ . وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ . فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ . كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ } (1)
(سورة الشعراء / 191-201 . )
وسبحان اللَّه ما أَعجبَ أمرَ هذا القرآن ! !
إن اللَّه تعالى يُقرِّر في هذه الآيات حقيقة تنزيل القرآن ابتداءً في صورة بيانيّة مُحْكَمَة تأخذ بالألباب ، وفي ضِمْنِ هذا البيان تفنيد دقيق لمطاعن الطاعنين في القرآن الكريم الزائفة ، ومما يتجلّى فيه هذا البيان وهذا التفنيد ما يأتي:
1 -التأكيد على صفات اللَّه وجلاله - سبحانه - بما يقتضيه المقام: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } (2)
(سورة الشعراء / 191 . )
(1) سورة الشعراء /191 - 201 .
(2) سورة الشعراء /191 .