حادي عشر: تسخير اللَّه سبحانه المُحَدِّثِين لهذا التخصص
ومن أدلة توثيق السنّة ، ومن مظاهره كذلك: تسخير اللَّه سبحانه المُحَدِّثِين لهذا التخصص ، ولابتكار هذا المنهج ، وتطبيقهم له ، وانقطاعهم لهذا الشأن ! !
ويُدْرك هذا التسخير الإلهيّ من يطّلع على الآتي:
-حياة المُحَدِّثِين وأوصافهم .
-أخبارٌ عن جوانبَ مِن تسخير اللَّه لهم ؛ لينخرطوا في هذا المجال ، ومِن ذلك ما جاء عن بعضهم أنه لا يستطيع أن يشتغل بغير الحديث مِن العلم بسبب ما يجدُهُ مِنْ صَرْفِه إليه صرفًا لا يدري ما سببه ، ومن هذا ما ذكره الخطيب البغدادي عن الحافظ أبي بكر أحمد بن محمد البَرْقاني بقوله:"ولم يقطع التصنيف إلى حين وفاته ، ومات وهو يجمع حديث مِسْعَر".
وكان حريصًا على العلم ، منصرف الهِمَّة إليه ، وسمعته يومًا يقول لرجل من الفقهاء معروف بالصلاح - وقد حضر عنده -: ادع اللَّه أن ينزع شهوة الحديث من قلبي ، فإن حُبَّه قد غلب عليَّ فليس لِيَ اهتمام بالليل والنهار إلا به ، أو نحو هذا من القول ، وكنت كثيرًا أذاكره بالأحاديث فيكتبها عليَّ ويضمّنها جُمُوعَه" (1) "
(تاريخ بغداد 4/ 374 . )
-دقة منهجهم التي وصلت إلى حدّ الإعجاز الذي ليس بمقدور البشر أن يصلوا إليه لو لم يوصلهم إليه اللَّه - تبارك وتعالى - .
أما دقة منهجهم فقد عرفت جوانب منها مما سبق .
وأما أوصاف المُحَدِّثِين وتاريخ حياتهم فتشهد بأنهم ما كان يمكن أن يكونوا كذلك لولا أن ربهم وخالقهم - عز وجل - هو الذي سخّرهم ودفعهم إليه تسخيرًا يتجلى في استجابتهم لمقتضيات الإيمان ، واستجابتهم لقَدَر الرحمن !
(1) تاريخ بغداد 4/374 .