الفصل الثاني: مراتب المسانيد .
تتمايز الكتب الحديثية منزلة بحسب مدى التزام مؤلفيها بشروط الصحة فيما يجمعونه فيها من الروايات ، وهكذا المسانيد أيضًا ، فهي ليست على صعيد واحد ، والمقصود هنا: الموازنة بين المسانيد ذاتها ، وبيان أعلاها مكانة ، ولا شك أنه إذا قلت الأحاديث الضعيفة ، ارتفعت مرتبة الكتاب على غيره ، وعمت فائدته للعامة والخاصة .
فالأصل أن أعلى المسانيد أنقاها وأصحها حديثًا ؛ لأن فائدتها - والحالة هذه - عامة للعلماء وطلاب العلم وغيرهم ، شأنها في ذلك شأن المصنفات على الأبواب ، حيث تقدم منها: المصنفات التي اشترط أصحابها الصحة فيها ، بما يوافق ما عليه أهل التحقيق ، ولهذا يقول الإِمام مسلم:"ضبط القليل من هذا الشأن وإتقانه ، أيسر على المرء من معالجة الكثير منه ، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام فالقصد منه إلى الصحيح القليل ، أوْلى بهم من ازدياد السقيم ، وإنما يُرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن وجمع المكررات منه لخاصة الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ ، والمعرفة بأسبابه وعلله" (1)
(مقدمة صحيحه: المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل( 1/ 4 ) . )
وإذا تقرر ما سبق فإن كلام من قدم المسانيد المعلة على غيرها يحمل على اعتبار ما فيها من نفع للعلماء الذين لهم بصر في معرفة العلل ، وإلى ذلك أشار الإِمام مسلم كما تقدم ، وبه يجاب على صنيع من قدم المعل مطلقًا مثل الخطيب البغدادي حيث يقول:"يستحب أن يصنف المسند مُعَللا فإن معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث" (2)
(الجامع لأخلاق الراوي( 2/ 294 ) . )
وأصرح منه كلام ابن الصلاح حيث يقول:"مِنْ أعلى المراتب في تصنيفه ، تصنيفه معللا ، بأن يجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه ، كما فعل يعقوب بن شيبة" (3)
(علوم الحديث: 253 . )
(1) مقدمة صحيحه: المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل ( 1/4 ) .
(2) الجامع لأخلاق الراوي ( 2/294 ) .
(3) علوم الحديث: 253 .