وقد اشتهر عن فريق من متقدمي أهل الحديث أن الذمة تبرأ بمجرد الإسناد ؛ لأن من أسند فقد أحال إلى مَليء ، وهذا ظاهر من مؤلفاتهم في تلك الفترة ، يقول الحاكم أبو عبد اللَّه ( ت 405 هـ ) :"وكان الطريق إليه - يعني كتابه - رواية ما نُقل إلينا في كل فصل من فصوله بأسانيدهم ، اقتداء بمن تقدمنا من أئمة الحديث من إخراج الغثِّ والسمين في مصنفاتهم" (1)
(المدخل إلى كتاب الإكليل: 30 . )
وقال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) :"أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمّ جرّا ، إذا ساقوا الحديث بإسناده ، اعتقدوا أنهم بَرِئوا من عهدته ، والله أعلم" (2)
(لسان الميزان عند ترجمة الطبراني( 3/ 90 ) . )
وبالرغم من ذلك الجمع العام للروايات في المسانيد ، فإن فوائدها عظيمة ، ومنها:
1 -إنها من المصادر الحديثية الأصيلة ، حيث يروي مؤلفوها الأحاديث بأسانيدهم ، ولا يخفى ما لمعرفة الإسناد من أثر كبير في الوصول إلى الحكم على الحديث الذي يراد الاحتجاج به في المسائل والاختيارات ونحوها .
2 -إنها من مظان جَمْع طُرق حديث كل صحابي ، ولا سيما المسانيد التي تُعنى بالعلل ، ولهذا أثره الكبير على علوم الإسناد من تسمية الرواة ، ومعرفة ألفاظ صيغ أدائهم ولا سيما المدلِّسين ، والرواة عن المختلطين ، واتصال الأسانيد ، ونحو ذلك كما له أثره أيضًا في علوم المتن من معرفة الزيادات ، وضبط الألفاظ ، وفهم معانيها إضافة إلى ما يتصل بمدى تقوية الحديث بمعرفة متابعاته ، وشواهده ، أو تضعيفه بمعرفة اختلاف الرواة فيه المفضي إلى إظهار علله .
ومن الجدير بالذكر أن هذه الفائدة تتحقق في الغالب - بعد توفيق اللَّه - بواسطة المداخل والفهارس إلى هذه المسانيد ، والتي تجمع طرق الحديث في موضع واحد ، مع تسهيل الوصول إليه .
(1) المدخل إلى كتاب الإكليل: 30 .
(2) لسان الميزان عند ترجمة الطبراني ( 3/90 ) .