ولا يخفى مدى أثر معرفة معالم طريقة الأئمة النقاد في الحكم الدقيق على الرواة والأحاديث ، ولذا فإن الناظر والباحث بحاجة كبيرة إلى معرفة القرائن المرجحة التي يستدل بها هؤلاء الأئمة في الفصل بين الجرح والتعديل المتعارضين ، حتى يتمكن من دراسة الرواة ، والخلوص إلى أدق النتائج في الحكم عليهم وفق المنهج العلمي المعتبر .
وهذه القرائن مع أنها من أهم نتائج علم الجرح والتعديل ، لم تزل مبثوثة متناثرة في ثنايا كلام هؤلاء الأئمة على الرواة أو حكمهم على الأحاديث ، ولم تفرد بدراسة تطبيقية وفق طريقة هؤلاء الأئمة المثلى المستنبطة من تطبيقاتهم العملية المذكورة آنفًا .
وقد عُني الأئمة النقاد بدرء التعارض في حال الراوي فلم يقبلوا الجرح المعارض للتعديل إلا ببيان وحجة ظاهرة ، فقد قال أحمد بن محمد المرُّوذي:"سألته - يعني الإِمام أحمد - عن عاصم بن علي فقلت: إن يحيى قال: كل عاصم في الدنيا ضعيف ، قال: ما أعلم منه إلا خيرًا ، كان حديثه صحيحًا حديث شعبة والمسعودي ما أصحَّها" (1)
(العلل للمروذي 227 . )
وقال المرُّوذي أيضًا:"سألت أبا عبد اللَّه ، عن حُميد الخزَّاز ، قال: كنا نزلنا عليه أنا وخلف أيام أبي أسامة ، وكان أبو أسامة يُكرمه ، قلت: يُكتب عنه ؟ قال: أرجو وأثنى عليه ، قلت: إني سألت يحيى - بن معين - عنه ، فحمل عليه حملا شديدًا وقال: رجل يسرق كتاب يحيى بن آدم من عُبيد بن يعيش ، ثم ادّعاه ! قلت: يا أبا زكريا ، أنت سمعت عُبيد بن يعيش يقول هذا ؟! قال: لا ،"
(1) العلل للمروذي 227 .