فهرس الكتاب
فهذه الروايات لم تتفق على مطالب هؤلاء البغاة ، فلماذا إذن هذا الاختلاف ؟ و لماذا لم يَرِد مطلب تسليم مروان بن الحكم في جميعها و هو رأس الفتنة في اعتقادهم ؟ و لماذا طالبوه بعزل ولاّته الفسقة- على حد تعبيرهم- و كان قد استجاب لهم في عزل ولاّة مصر و الكوفة و البصرة ؟ ! و ما هي العلاقة بين تسليم مروان و المطالب الأخرى ؟ فإذا كان هو السبب فعليهم أن يطالبوا بمحاكمته ، و ليس بتسليمه إليهم . فهذه التساؤلات و غيرها تبعث على الشك في نوايا هؤلاء المبيتة .و توحي أيضا بأنهم ما اتهموا مروان بن الحكم إلا ليصلوا إلى عزل عثمان أو قتله .
و هنا أُنبّه إلى أمر هام جدا ، هو أن موقف مروان بن الحكم من الاتهامات الموجهة إليه ، مُغيّب في كل الروايات التي اطلعتُ عليها ، ماعدا ما ذكره ابن خلدون من أن البغاة لما رجعوا إلى عثمان و معهم الكتاب المزعوم و أظهروه له (( حلف عثمان على ذلك ، فقالوا له مكنا من مروان فإنه كاتبك ، فحلف مروان ، فقال-أي عثمان- ليس لكم في الحكم أكثر من هذا ، فحاصروه ) ) [1] .
فهذا خبر لم يذكر له ابن خلدون إسنادا ، و بينه و بين الحادثة أكثر من سبعة قرون . كما أن خبره هذا موجز و فيه غموض ؛ و مع ذلك فإن روايته هذه و الروايات الأخرى لم تذكر أنه أُجري تحقيق مع مروان بأمر من عثمان و بحضور من الصحابة الكرام ، أو بأمر من البغاة و بضغوط منهم .
(1) ابن خلدون: المقدمة ،ط5 ،بيروت دار القلم ، 1984 ، ص: 216 .