فهرس الكتاب
أما أن تسكت الروايات عن رد فعل حقيقي و فعّال لمروان تجاه ما اُتهم به ، فلا الصحابة و عثمان حققوا معه ،و لا دعاة الفتنة طالبوا بذلك ،و لا هو دافع عن نفسه أمام الناس ، فإن في الأمر علامة استفهام كبرى ، تجعلنا نميل إلى براءة مروان بن الحكم ، ونبحث عن طرف آخر كان من وراء تزوير الكتاب .
و مما يبعد التهمة عن مروان ، أنه لا يُعقل أن يرسل الكتاب إلى والي مصر عبد الله بن أبي سرح بمعاقبة رؤوس الفتنة ،و هو يعلم أنه قد غادر مصر على إثر خروج وفد مصر إلى عثمان ؟ و إن قيل أن مروان كان يعلم بخروج ابن أبي سرح ، وإنما زوّر الكتاب و أرسله مع الغلام لترجع الوفود إلي المدينة . فيقال أن هذا مجرد احتمال ضعيف جدا يكذبه الواقع ؛ فمروان ليس له أية مصلحة في خيانة عثمان ، قريبه و ولي نعمته . و ليس له فائدة في تجدد الفتنة التي قد تعصف به و بالأمة كلها .
و إذا افترضنا أن مروان بن الحكم لم يكن يعلم بمغادرة ابن أبي سرح لمصر ، لذا زوّر الكتاب و أرسله إليه ليعاقب رؤوس الفتنة . فإن هذا الاحتمال هو الآخر مستبعد جدا ، لأن ذلك الفعل هو الآخر ليس في مصلحته و مآله إلى الانكشاف و سيؤدي إلى عواقب وخيمة ، فوفد مصر إن عَلِم بأمر الكتاب قبل معاقبتهم فإنهم سيعودون على أعقابهم إلى المدينة .و إن لم يعلموا به و عاقبهم الوالي فإن الأمر سيزداد تعقيدا و خطورة ، فتحدث فتنة بمصر ،و يجتمع الثائرون بمصر و يكاتبون أنصارهم بالكوفة و البصرة و يرجع الجميع إلي المدينة . و هذا احتمال وارد جدا ، لأن الثائرين كانت لهم قيادات منظمة و متعاونة يحركها السبئيون و أعوانهم من الطامعين و الحاسدين لعثمان و عماله [1] .
(1) أنظر: الطبري: المصدر السابق ، ج2 ص: 650 ، 652 .