وقد قالت حَذَاِم، فلا بد إذن أن نصدقها لأن قولها هو القول الفصل. ذلك أنها في ظُهْرِيّةٍ من الظهريّات الصيفية الحارة، وبعد أكلة فول وبصارة معتبرة، ومعها بعض أقراص الطعمية وطبق طرشى بقرون الشطة السودانى وكم حزمة فجل وجرجير وكراث وبصل أخضر بطين البِرَك، أخذت حذام هانم غفوة، وعينك لا تشوف إلا النور، وإذا بها ترى في المنام (لكن ربك والحق أنا لا أدرى أكانت مغطاة أم لا) ، إذا بها ترى كبار رجال مصر بعد دخول العرب فاتحين أرض المحروسة بقليل، وقد اجتمعوا في ميدان العتبة الخضراء (وأرجو ألا يقول لى أحدكم إن القاهرة كلها على بعضها لم تكن قد وُجِدَتْ بعد، فكيف يكون هناك عتبة خضراء أو حمراء؟ إذ من قال إننا في سياق تحقيقات علمية؟ نحن في منامات يا حبيبى، والمنامات لا رقيب ولا حسيب عليها ولا على صاحبها) ، المهم أن الست حَذَامِ رأت كبار رجالات مصر وقد اجتمعوا على باب المطافى القائمة في ذلك الميدان، المطافى التى اشتراها إسماعيل يس في الفلم المشهور، وهات يا مباحثات حول الكلمة التى ينبغى استخدامها للشخص المصاب بالعمش، وهو مرض مصرى لم يكن العرب يعرفونه حسب بيانات منظمة الصحة العالمية في ذلك الوقت (أى منظمة صحة عالمية؟ لا أدرى، ولا الميتاطيز نفسه يدرى!) ، فلهذا لم يضعوا له اسما، فقال بعضهم: أعمى، وقال بعضهم: أعشى. وظلوا يتجاذبون النقاش حتى دخل عليهم أحد مجاذيب الحسين (ولا يقل أحدكم إنه لم يكن هناك حسين بعد، فهذه منامات كما قلنا) ، وإذا به تعجبه الحكاية فتأخذه الجلالة ويتطوح يمينا ويسارا وهو يصيح: أعمى، أعشى، أعمى، أعشى، أعمى، أعشى، أعمى، أعشى، أعمى، أعشى، أعمى، أعشى، أعمى، أعشى، أعمى، أعشى... وظل يكرر الكلمتين على هذا النحو (كما تفعل البنات وهن يقطفن أوراق الوردة التى في أيديهن: يحبّنى، لا يحبّنى، يحبّنى، لا يحبّنى...) حتى خانه لسانه بسبب الإرهاق كما يحدث لأى منا إذا شرع يكرر عبارة"خشب السقف سبع"