فهرس الكتاب
وتجاوزنا مهاوي مدت فيها أسراط من الخشب ترتفع عند الضرورة الفادحة،
فتنقطع عمّن وراءها الآمال، إلى أن أفضينا ولم نكد إلى المحل المقصود وهي
دار قوراء نبهة البنية بالنسبة إلى جنسها510 ... ساذجة بادية ملطّخة
الجدرات بالطين الأحمر، متقابلة الأشكال بيوتها، لاطية السقف غير مهذّبة
الخشب، بأعلاها غرف من جنسها، يدور بداخلها برطال 511مستعل على
أرجل متّخذة من اللبن، والحجر ملبّس بالطين، والبيت حيث متوفى السلطان
مفترش بالحصباء، قد ترك فيه دائرة كالقصعة تباشر الثرى، وتمكن من تربته
من يقصد شفاء المرضى، وكحل العيون المرهى، إذ كان رحمه اللّه آخر ملوك
العدل نشأة، لم تعرف الخبائث، ولا آثرت الملاذ مغنيا في برّ والديه مصرّفا
في انتساخ الذكر الحكيم يمنى يديه، محافظا على الصلاة قيّوما عليها بالليل،
كثير الصدقة والصوم، مجالسا للعلماء، مستكشفا أحوال الرعايا، حانيا على
الضعفاء، معملا في سبيل اللّه بيض الظبا512،صابرا على اللأواء، محتسبا
في البلوى، مستشعرا شعار التقوى، ألحقه اللّه بالرفيق الأعلى. وبإزائه
مصراع باب غسلت عليه جثّته الزكية، لا تتمالك العين أن تنتثر سلوك
دموعها، ولا القلوب أن تأخذ الحسرة بكظمها، لما عضّ ذلك الملك
الحلاحل 513من الخطب الذي عوضه من نضرة النعيم، ووجوه الغرانقة514
الغر، والتوكّؤ على النمارق المصفوفة، والزرابي المبثوثة، في المتبوأ الكريم،
واستثقال طلعة البدر، واستجفاء هبّة النسيم بقنن الجبال الغبر، وسكنى
المحال الخشن، ومفارقة الأهل والولد عند فراق الروح للجسد. جعلنا اللّه
من الدنيا على حذر وتوق، وكتبنا ممن قدر قدره ولم يأمن مكره. فقعدنا