الصفحة 3419 من 7198

فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي ، فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم بِضَرْبِ عُنُقِهَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا ، وَرَفَعْتُ صَوْتِي فَأَوْمَأَ إِلَيَّ بِيَدِهِ ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ ، فَجَلَسْتُ ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، فَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ عَلَيْهِ فِي جَنْبَيْهِ ، قَالَ: وَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوَ الصَّاعِ ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ ، وَإِذَا أُفَيْقٌ مُعَلَّقٌ ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا لِي لا أَبْكِي ، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لا أَرَى فِيهَا إِلا مَا أَرَى ، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ ، وَالأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءُ ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَكَ وَمَلائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ بِكَلامٍ ، إِلا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية آية التَّخْيِيرِ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} ، {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ تُظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أَطَلَّقْتَهُنَّ ؟ قَالَ: لا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى ، وَيَقُولُونَ: يُطَلِّقُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم نِسَاءَهُ ، فَأَنْزِلُ ، فَأُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى حَسَرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَحَتَّى كَشَّرَ يَضْحَكُ ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم.

ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم ، وَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجَذَعِ ، وَنَزَلَ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا يَمَسُّ بِيَدِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّمَا لَبِثْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم: إِنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ قَالَ: فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية فيَّ: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ، فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَاكَ الأَمْرَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آية التَّخْيِيرِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت