أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ عَوَانَةَ، قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الْحَجَّاجُ امْتَنَعَ مِنَ الرَّضَاعِ فَخَرَجَ بِهِ أَبَوَاهُ يَلْتَمِسَانِ مُرْضِعًا، فَيَلْقَاهُمَا شَيْخٌ فِي صُورَةِ مُتَطَبِّبٍ يَعْرِفَانِهِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ حَالِهِ فَأَعْلَمَاهُ .... أَنْ يَذْبَحَا لَهُ شَاةً يُولِغَانِهِ فِي دَمِّهَا، فَذَبَحَا لَهُ شَاةً فَوَلَغَ فِي دَمِّهَا، ثُمَّ قَبِلَ مِنْ مُرْضِعَتِهِ، فَأَتَيَا مِنَ الْغَدِ الْمُتَطَبِّبَ الَّذِي يَعْرِفَانِهِ بِبُرٍّ قُدْ أُعِدَّ لَهُ، فَلَمْ يَعْرِفِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ فَقَصَّا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: مَا لَقِيتُكُمَا وَلا حَكَمْتُ لَكُمَا مِمَّا تَقُولانِ شَيْئًا، فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ إِبْلِيسُ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْهَرَوِيُّ، أَنْبَا الرِّيَاشِيُّ، عَنِ الْعُتْبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَتَبَ .... عَبْد الْمَلِكِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ شَيْطَانًا خَلا بِي، فَقَالَ: أَطَعْتَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَسَفَكْتَ الدِّمَاءَ بِغَيْرِ حِلِّهَا، وَأَخَذْتَ الأَمْوَالَ مِنْ غَيْرِ حَقِّهَا، فَدَحَرْتُ ذَلِكَ الشَّيْطَانَ وَأَخْسَأْتُهُ، وَأَحْبَبْتُ إِعْلَامَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ سِرِّ أَمْرِي مِثْلَ الَّذِي عَلِمَ مِنْ عَيَانِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، إِنَّ مَلَكًا خَلا بِي، فَقَالَ: أَطْلَقْتَ يَدَيِ الْحَجَّاجِ فَأَخَذَ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَسَفَكَ الدَّمَ مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ، وَإِنِّي شَاوَرْتُ ذَلِكَ الْمَلَكَ فَأَشَارَ عَلَيَّ بِقَتْلِكَ وَأَنَا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي طَاعَتِهِ، فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى الْحَجَّاجِ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: انْظُرُوا مَا يَصْنَعُ التَّكَلُّفُ بَأَهْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِأَغْلَظِ قَلَمٍ وَأَدَقِّ قَلَمٍ، فَأُتِيَ بِهِمَا فَجَعَلَ إِذَا جَرَى ذِكْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَهُ بِالْقَلَمِ الْغَلِيظِ، وَإِذَا جَرَى شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِهِ كَتَبَهُ بِالْقَلَمِ الدَّقِيقِ حَتَّى أَنْجَزَ الْكِتَابَ، قَالَ الْعُتْبِيُّ: فَخَبَّرَنِي مُخْبِرٌ أَنَّ الْكِتَابَ نُهِبَ فِي نَهْبِ ابْنِ زُبَيْدَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ بِتَغْلِبَ قَالَ: رَأَى سَعِيدَ بْنَ وَهْبٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ عَلَى رَمْلٍ وَهُوَ يَعْتَسِفُهُ وَيُنْشِدُ:
قَدَمَيَّ اعْتَوِرَا رَمْلَ الْكَثِيبِ ... وَاطْرُقَا الآجِنَ فِي مَاءِ الْقَلِيبِ
رُبَّ يَوْمٍ رُحْتُمَا فِيهِ إِلَى ... لَذَّةِ الدُّنْيَا وَفِي وَادٍ خَصِيبِ
وَسَمَاعٍ حَسَنٍ مِنْ مُحْسِنٍ ... صَخِبِ الْمِزْهَرِ كَالظَّبِيِّ الرَّبِيبِ
فَاحْسِبَا ذَاكَ بِهَذَا وَاصْبِرَا ... وَخُذَا مِنْ كُلِّ عَيْشٍ بِنَصِيبِ
إِنَّمَا أَبْكِي لَأَنِّي مُذْنِبٌ ... وَلَعَلَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ ذُنُوبِي
قَالَ: وَلِسَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ فِي حَاضِنَتِهِ كَانَتْ لِبَعْضِ أَوْلَادِ الْهَاشِمِيِّينَ، يُقَالُ لَهَا: رِخَاصُ قَدْ كَانَتْ رَأَتْهُ يُقَبِّلُ الصَّبِيَّ الَّتِي هِيَ حَاضِنَتُهُ فَزَجَرْتُهُ، فَقَالَ:
.عشرا أَغَارَتْ عَلَيْكَ رِخَاصُ
فَاقْتَصِّ عَشْرًا بِعَشْرٍ إِنَّ الْجُرُوحَ قِصَاصُ