فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 759

يمينه وعن شماله، فقريب منه وبعيد، وبين ذلك، وإذا أعطيت الفاتحة حقّها، وجدتها من أولها إلى آخرها منادية على ذلك دالة عليه صريحة فيه، وإن كان حمده لا يقتضي غير ذلك، وكذلك كمال ربوبيته للعالمين لا يقتضي غير ذلك، فكيف يكون الحمد كله لمن لا يقدر على مقدور أهل سماواته وأرضه من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش، بل يفعلون ما لا يقدر، ولا يشاؤه، ويشاء ما لا يفعله كثير منهم، فيشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء، وهل يقتضي ذلك كمال حمده، وهل يقتضيه كمال ربوبيته.

ثم قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) [الفاتحة] مبطل لقول الطائفتين المنحرفتين عن قصد السبيل، فإنه يتضمن إثبات فعل العبد، وقيام العبادة به حقيقة، فهو العابد على الحقيقة، وإن ذلك لا يحصل له إلا بإعانة رب العالمين عز وجل له، فإن لم يعنه ولم يقدره ولم يشأ له العبادة، لم يتمكن منها، ولم يوجد منه البتة، فالفعل منه، والإقدار والإعانة من الرب عز وجل.

ثم قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) [الفاتحة] يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها.

والهداية معرفة الحق والعمل له، فمن لم يجعله اللّه تعالى عالما بالحق عاملا به، لم يكن له سبيل إلى الاهتداء، فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها، وهي جعل العبد مريدا للهدى محبّا له مؤثرا له عاملا به، فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، وهي التي قال سبحانه فيها: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (56) [القصص] مع قوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) [الشورى] فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد، وهي التي هدى بها ثمود، فاستحبّوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت