فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 759

به، وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرا من تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم، فإنّ المكذّب بالحق بعد معرفته له شرّ من المكذب به ولم يعرفه، فتأمله، فإنه من فقه التفسير، واللّه الموفق للصواب.

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) [مريم] فالإرسال هاهنا إرسال كونيّ قدري، كإرسال الرياح، وليس بإرسال ديني شرعي، فهو إرسال تسليط، بخلاف قوله في المؤمنين: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ (42) [الحجر] فهذا السلطان المنفي عنه على المؤمنين هو الذي أرسل به جنده على الكافرين. قال أبو إسحاق: ومعنى الإرسال هاهنا التسليط، تقول: قد أرسلت فلانا على فلان، إذا سلطته عليه، كما قال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42) [الحجر] فأعلم أنّ من اتّبعه هو مسلّط عليه، قلت: ويشهد له قوله تعالى: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) [النحل] .

وقوله: (تؤزهم أزا) فالأزّ في اللغة التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز، لتحرك الماء عند الغليان. وفي الحديث: «كان لصدر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أزيز كأزيز المرجل، من البكاء» «1» . وعبارات السلف تدور على هذا المعنى. قال ابن عباس: تغريهم إغراء. وفي رواية أخرى عنه: تسلّهم سلا، وفي رواية أخرى: تحرضهم تحريضا. وفي أخرى: تزعجهم للمعاصي

(1) صحيح. رواه أحمد (4/ 25، 26) ، وأبو داود (904) ، والنسائي (3/ 13) عن عبد اللّه بن الشّخّير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت