فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 759

فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) [النحل] .

ومن المعلوم أنّ الإعاذة من الشيطان الرجيم ليست بإماتته ولا تعطيل آلات كيده، وإنما هي بأن يعصم المستعيذ من أذاه له، ويحول بينه وبين فعله الاختياري له، فدلّ على أن فعله مقدور له سبحانه، إن شاء سلّطه على العبد، وإن شاء حال بينه وبينه، وهذا على أصول القدرية باطل، فلا يثبتون حقيقة الإعاذة، وإن أثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد، وجعلوا الآية ردا على الجبرية. والجبرية أثبتوا حقيقة الإعاذة، ولم يثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد، بل الاستعاذة فعل الرب حقيقة كما أن الإعاذة فعله، وقد ضلّ الطائفتان عن الصراط المستقيم، وأصابت كلّ طائفة منهما فيما أثبتته من الحق.

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ (127) [النحل] وقول هود «1» : وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ (88) [هود] .

ومعلوم أنّ الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد، وقد أخبر أنه به لا بالعبد، وهذا لا ينبغي أن يكون فعلا للعبد حقيقة، ولهذا أمر به، وهو لا يأمر عبده بفعل نفسه سبحانه، وإنما يؤمر العبد بفعله هو، ومع هذا فليس فعله واقعا به، وإنما هو بالخالق لكلّ شي ء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالتصبير منه سبحانه، وهو فعله، والصبر هو القائم بالعبد، وهو فعل

(1) القائل شعيب عليه السلام، ولعله أراد: وقوله في سورة هود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت