فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 759

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ (28) [الكهف] .

وفي الآية ردّ ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما، فإنه سبحانه أغفل قلب العبد عن ذكره، فغفل هو. فالإغفال فعل اللّه. والغفلة فعل العبد. ثم أخبر عن اتّباعه هواه، وذلك فعل العبد حقيقة، والقدرية تحرّف هذا النص وأمثاله بالتسمية والعلم، فيقولون: معنى أغفلنا قلبه، سميناه غافلا، أو وجدناه غافلا، أي: علمناه كذلك، وهذا من تحريفهم. بل أغفلته مثل أقمته وأقعدته وأغنيته وأفقرته، أي: جعلته كذلك، وأما أفعلته أو أوجدته كذلك كأحمدته وأجبنته وأبخلته وأعجزته فلا يقع في أفعال اللّه البتة، إنما يقع في أفعال العاجز، أن يجعل جبانا وبخيلا وعاجزا، فيكون معناه: صادفته كذلك، وهل يخطر بقلب الداعي: اللهم أقدرني أو أوزعني وألهمني، أي:

سمّني وأعلمني كذلك، وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو سبحانه.

والعقلاء يعلمون علما ضروريا أنّ الداعي إنما سأل اللّه أن يخلق له ذلك، ويشاءه له، ويقدره عليه، حتى القدري إذا غابت عنه بدعته وما تقلده عن أشياخه وأسلافه، وبقي وفطرته، لم يخطر بقلبه سوى ذلك. وأيضا فلا يمكن أن يكون العبد هو المغفل لنفسه عن الشي ء، فإن إغفاله لنفسه عنه مشروط بشعوره به، وذلك مضاد لغفلته عنه، بخلاف إغفال الرب تعالى له، فإنه لا يضاد علمه بما يغفل عنه العبد، وبخلاف غفلة العبد، فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره بالمغفول عنه؛ وهذا ظاهر جدا. فثبت أنّ الإغفال فعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت