هدى الذكر للأنثى، واختار هذا القول صاحب «النظم» ، فقال: معنى هدى:
هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إتيان ذكران الحيوان لإناثه مختلف، لاختلاف الصور والخلق والهيئات، فلولا أنه سبحانه جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثى جنسه، لما اهتدى لذلك. وقال مقاتل أيضا:
هداه لمعيشته ومرعاه.
وقال السدي: قدّر مدة الجنين في الرحم، ثم هداه للخروج.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة.
وقال الفراء: التقدير: فهدى وأضل، فاكتفى من ذكر أحدهما بالآخر.
قلت: الآية أعم من هذا كله، وأضعف الأقوال فيها قول الفراء، إذ المراد هاهنا الهداية العامة لمصالح الحيوان في معاشه، ليس المراد هداية الإيمان والضلال بمشيئته، وهو نظير قوله: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْ ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) [طه] .
فإعطاء الخلق: إيجاده في الخارج، والهداية: التعليم والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه، وما ذكر مجاهد فهو تمثيل منه، لا تفسير مطابق للآية، فإن الآية شاملة لهداية الحيوان كله ناطقه وبهيمه طيره ودوابه فصيحه وأعجمه، وكذلك قول من قال: إنه هداية الذكر لإتيان الأنثى، تمثيل أيضا، وهو فرد واحد من أفراد الهداية التي لا يحصيها إلا اللّه، وكذلك قول من قال: هداه للمرعى، فإنّ ذلك من الهداية، فإنّ الهداية إلى التقام الثدي عند خروجه من بطن أمه، والهداية إلى معرفته أمه دون غيرها، حتى يتبعها أين ذهبت، والهداية إلى قصد ما ينفعه من المرعى دون ما يضره منه، وهداية الطير والوحش والدواب إلى الأفعال العجيبة التي يعجز عنها