فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 759

الخنازير التي لو ألقي إليها الطعام الطيب عافته، فإذا قام الرجل عن رجيعه، ولغت فيه، فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، وإن أخطأ رجل تروّاه وحفظه.

قال الخطابي: ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أنّ الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعا لظاهره، وجب المصير إلى باطنه. وقد أخبر اللّه عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة، وعدم من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق، وإذا كان الأمر كذلك، فاعلم أنك إنما تعاشر البهائم والسباع، فليكن حذرك منهم ومباعدتك إياهم، على حسب ذلك، انتهى كلامه.

واللّه سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوبا محتالا، وبعضها متوكلا غير محتال، وبعض الحشرات يدّخر لنفسه قوت سنته، وبعضها يتكل على الثقة، بأنّ له في كل يوم قدر كفايته رزقا مضمونا وأمرا مقطوعا، وبعضها يدّخر وبعضها لا تكسّب له، وبعض الذكورة يعول ولده، وبعضها لا يعرف ولده البتة، وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضع ولدها، وتكفل ولد غيرها، وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه.

وجعل بعض الحيوانات يتمها من قبل أمهاتها وبعضها يتمها من قبل آبائها، وبعضها لا يلتمس الولد، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه، وبعضها يعرف الإحسان ويشكره، وبعضها ليس ذلك عنده شيئا، وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه، لم يدع أحدا يدنو منه، وبعضها يحب السفاد ويكثر منه، وبعضها لا يفعله في السنة إلا مرة، وبعضها يقتصر على أنثاه، وبعضها لا يقف على أنثى، ولو كانت أمه أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت