فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 759

هذا وأعمال العبد مستحقة عليه بمقتضى كونه عبدا مملوكا مستعملا فيما يأمره به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس له شي ء من أعماله، كما أنه ليس له ذرة من نفسه، فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله ولا لما بيده من المال في الحقيقة، بل كلّ ذلك مملوك عليه، مستحق عليه لمالكه أعظم استحقاقا من سيّد اشترى عبدا بخالص ماله، ثم قال اعمل وأدّ إليّ، فليس لك في نفسك ولا في كسبك شي ء، فلو عمل هذا العبد من الأعمال ما عمل، فإن ذلك كله مستحق عليه لسيده، وحق من حقوقه عليه، فكيف بالمنعم المالك على الحقيقة، الذي لا تعدّ نعمه وحقوقه على عبده، ولا يمكن أن تقابلها طاعاته بوجه، فلو عذبه سبحانه لعذبه وهو غير ظالم له، وإذا رحمه فرحمته خير له من أعماله، ولا تكون أعماله ثمنا لرحمته البتة.

فلولا فضل اللّه ورحمته ومغفرته ما هنّا أحدا عيش البتة، ولا عرف خالقه، ولا ذكره، ولا آمن به، ولا أطاعه. فكما أن وجود العبد محض وجوده وفضله ومنّته عليه، وهو المحمود على إيجاده، فتوابع وجوده كلها كذلك، ليس للعبد منها شي ء، كما ليس له في وجوده شي ء. فالحمد كله للّه، والفضل كله له، والإنعام كله له، والحق له على جميع خلقه، ومن لم ينظر في حقه عليه وتقصيره وعجزه عن القيام به، فهو من أجهل الخلق بربه وبنفسه، ولا تنفعه طاعاته، ولا يسمع دعاؤه.

قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، قال: حدثنا جرير بن حازم، عن وهب، قال: بلغني أنّ نبيّ اللّه موسى مرّ برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا ربّ ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى اللّه تعالى إليه: لو دعاني حتى ينقطع فؤاده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت