فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 759

يعذب أشد العذاب لمن لم يعصه طرفة عين، وأن حكمته ورحمته لا تمنع ذلك، بل هو جائز عليه، ولو لا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك، لم ننزهه عنه.

وقلت: إن تكليفه عباده بما كلفهم به بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة، والزّمن للطيران، فبغّضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد، ونفّرته عنه، وزعمت أنك تقرر بذلك توحيده، وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها.

وأما منافاة الجبر للشرائع فأمر ظاهر، لا خفاء به، فإنّ مبنى الشرائع على الأمر والنهي، وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور ونهيه عن فعله، لا فعل المنهي، عبث ظاهر، فإنّ متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته، فمن لا فعل له، كيف يتصور أن يوقعه بطاعة أو معصية، وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية، ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب، وكان ما يفعله اللّه بعباده يوم القيامة، من النعيم والعذاب، أحكاما جارية عليهم، بمحض المشيئة والقدرة، لا أنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم، بل هاهنا أمر آخر، وهو أنّ الجبر مناف للخلق كما هو مناف للأمر، فإن اللّه سبحانه له الخلق والأمر، وما قامت السموات إلا بعدله، فالخلق قام بعدله، وبعدله ظهر، كما أنّ الأمر بعدله وبعدله وجد، فالعدل سبب وجود الخلق، والأمر وغايته، فهو عليه الفاعلية الغائية، والجبر لا يجامع العدل، ولا يجامع الشرع والتوحيد.

قال الجبري: لقد نطقت أيها السنيّ بعظيم، وفهت بكبير، وناقضت بين متوافقين، وخالفت بين متلازمين، فإن أدلة العقول والشرع المنقول قائمة على الجبر، وما دلّ عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب العقل والشرع، فاسمع الآن الدليل الباهر والبرهان القاهر، على الجبر، ثم نتبعه بأمثال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت