فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 759

العلم خاصة.

قال الجبري: لا يساوي هذا الجواب شيئا، فإنّ العطشان مثلا يدعوه الداعي إلى شرب الماء، لعلمه بنفعه وشهوته وميله إلى شربه، وذلك العلم وتلك الشهوة والميل إلى الشرب من فعل اللّه، فيجب على القدري أن يترك مذهبه صاغرا داحرا، ويعترف بأنّ ذلك الفعل مضاف إلى من خلق فيه الداعي المقتضي.

قال القدري: ذلك الداعي وإن كان من فعل اللّه إلا أنه جار مجرى فعل المكلف، لأنه قادر على أن يبطل أثره، بأن يستحضر صارفا عن الشرب، مثل أن يحجم عن الشراب تجربة، هل يقدر على مخالفة الداعي أم لا، فإحجامه لأجل التجربة أثر داع ثان، هو الصارف يعارض الداعي، فالحي قادر على تحصيله، وقادر على إبقاء الداعي الأول بحاله، فإبقاؤه الداعي الأول بحاله، وإعراضه عن إحضار المعارض له أمر، لولاه ما حصل الشرب، فمن هذا الوجه كان الشرب فعلا له، لأنه قادر على تحصيل الأسباب المختلفة التي تصدر عنها الآثار، ويصير هذا كمن شاهد إنسانا في نار متأجّجة، وهو قادر على إطفائها عنه، من غير مشقة ولا مانع، فإنه إن لم يطفها، استحقّ الذم، وإن كان الإحراق من أثر النار.

وقد أجاب ابن أبي الحديد بجواب آخر، فقال: ويمكن أن يقال: إذا تجرد الداعي، كما ذكرتم في صورة العطشان، فإنّ التكليف بالفعل والترك يسقط، لأنه يصير أسوأ حالا من الملجأ. وهذا من أفسد الأجوبة على أصول جميع الفرق، فإن مقتضى التكليف قائم، فكيف يسقط مع حضور الفعل والقدرة؟! وهذا قسم رابع من الذين رفع عنهم التكليف، أثبته هذا القدري زائدا على الثلاثة الذين رفع عنهم القلم، وهذا خرق منه، لإجماع الأمة المعلوم بالضرورة، ولو سقط التكليف عند تجرد الداعي، لكان كل من تجرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت