فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 759

قال السني: وهذا جواب باطل بأبطل منه، وردّ فاسد بأفسد منه، ومعاذ اللّه، واللّه أكبر وأجلّ وأعظم وأعزّ أن يكون في عبده شي ء غير مخلوق له، ولا هو داخل تحت قدرته ومشيئته، فما قدر اللّه حقّ قدره من زعم ذلك، ولا عرفه حقّ معرفته، ولا عظّمه حق تعظيمه، بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق للّه خلقا، تصرّف به في عبده.

وقد بيّنّا أنّ قدرته وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء سبب الفعل غير مستقل بإيجاده، ومع ذلك فهذا الجزء مخلوق للّه فيه، فهو عبد مخلوق من كلّ وجه وبكلّ اعتبار، وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته، وقلبه بيد خالقه، وبين إصبعين من أصابعه، يقلّبه كيف يشاء، فيجعله مريدا لما شاء وقوعه منه، كارها لما لم يشأ وقوعه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

ونعم واللّه سلسلة المرجحات تنتهي إلى أمر اللّه الكوني ومشيئته النافذة التي لا سبيل لمخلوق إلى الخروج عنها، ولكن الجبر لفظ مجمل، يراد به حقّ وباطل كما تقدم، فإن أردتم به أنّ العبد مضطرّ في أفعاله، وحركته في الصعود في السلم كحركته في وقوعه منه، فهذا مكابرة للعقول والفطر، إن أردتم به أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه وفاطره، فنعم لا حول ولا قوة إلا باللّه، وهي كلمة عامة لا تخصيص فيها بوجه ما، فالقوة والقدرة والحول باللّه، فلا قدرة له ولا فعل إلا باللّه فلا ننكر هذا، ولا نجحده لتسمية القدريّ له جبرا، فليس الشأن في الأسماء، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ (23) [النجم] ، فلا نترك، لهذه الأسماء، مقتضى العقل والإيمان.

والمحذور كلّ المحذور أن نقول: إن اللّه يعذب عبده على ما لا صنع له فيه، ولا قدرة له عليه، ولا تأثير له في فعله بوجه ما، بل يعذبه على فعله هو سبحانه وعلى حركته، إذا سقط من علو إلى سفل، نعم لا يمتنع أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت