فهرس الكتاب
لا يكلف أحد هؤلاء بالفعل، فأفعاله لا تدخل تحت التكليف، وليست كأفعال الملجأ ولا المكره، وهي مضافة إليهم مباشرة، وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم خلقا، فهي مفعولة، وأفعال لهم، والساهي الذي يفعل الفعل، مع غفلته وذهوله، فهو إنما يفعله بقدرته، إذ لو كان عاجزا، لما تأتّى منه الفعل، وله إرادة، لكنه غافل عنها، فالإرادة شي ء، والشعور بها شي ء آخر، فالعبد قد يكون له إرادة، وهو ذاهل عن شعوره بها، لاشتغال محل التصور منه بأمر آخر، منعه من الشعور بالإرادة، فعملت عملها، وهي غير مشعور بها، وإن كان لا بدّ من الشعور عند كل جزء من أجزائه، وباللّه التوفيق.
وبالجملة فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة، وأما الشعور به على التفصيل فلا يستلزمه.
فصل
قال الجبري: ضلال الكافر وجهله عند القدريّ مخلوق له، موجود بإيجاده اختيارا، وهذا ممتنع، فإنه لو كان كذلك، لكان قاصدا له، إذ القصد من لوازم الفعل اختيارا، واللازم ممتنع، فإنّ عاقلا لا يريد لنفسه الضلال والجهل، فلا يكون فاعلا له اختيارا.
قال السني: عجبا لك أيها الجبريّ: تنزّه العبد أن يكون فاعلا للكفر والجهل والظلم، ثم تجعل ذلك كله فعل اللّه سبحانه، ومن العجب قولك:
إن العاقل لا يقصد لنفسه الكفر والجهل، وأنت ترى كثيرا من الناس يقصد لنفسه ذلك عنادا وبغيا وحسدا، مع علمه بأنّ الرشد والحقّ في خلافه،