فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 759

حتى يكتب عند اللّه صدّيقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا» «1» .

وقد ذكر اللّه سبحانه في غير موضع من كتابه، أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى، وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى، فالأول كقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَ إِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَ لَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (68) [النساء] وقال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (69) [العنكبوت] وقال: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) [المائدة] .

وأما قوله: وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بالَهُمْ (5) [محمد] فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة، فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم، ويحتمل أن يكون منه، ويكون قوله: «سيهديهم ويصلح بالهم» إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا، وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد له كل وقت نوعا من أنواع الهداية. وإصلاح البال شيئا بعد شي ء.

فإن قلت: فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا؟.

قلت: الخبر قوله: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4) [محمد] أي: أنه لا يبطلها عليهم، ولا يترهم إياها، هذا بعد أن قتلوا، ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم، أنه سيهديهم ويصلح بالهم، لما علم أنهم سيقتلون في سبيله، وأنهم

(1) رواه البخاري (6094) ، ومسلم (2607) عن عبد اللّه بن مسعود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت