فهرس الكتاب

الصفحة 432 من 759

فصل

وهاهنا حياة أخرى غير الحياة الطبيعية الحيوانية، نسبتها إلى القلب كنسبة حياة البدن إليه، فإذا أمدّ عبده بتلك الحياة، أثمرت له، من محبته وإجلاله وتعظيمه والحياء منه ومراقبته وطاعته، مثل ما تثمر حياة البدن له، من التصرف والفعل وسعادة النفس ونجاتها وفلاحها، بهذه الحياة، وهي حياة دائمة سرمدية، لا تنقطع، ومتى فقدت هذه الحياة، واعتاضت عنها بحياتها الطبيعية الحيوانية، كانت ضالة معذبة شقية، ولم تسترح راحة الأموات، ولم تعش عيش الأحياء كما قال تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10) وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (12) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى (13) [الأعلى] فإن الجزاء من جنس العمل، فإنه في الدنيا لما لم يحيا الحياة النافعة الحقيقية التي خلق لها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتا عديم الإحساس، كانت حياته في الآخرة كذلك، فإنّ مقصود الحياة حصول ما ينتفع به ويلتذّ به؛ والحيّ لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة، لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حيّ في الدنيا، وبه أمراض عظيمة، تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه، ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء ولا مع الأموات.

إذا عرف هذا، فالشرّ من لوازم هذه الحياة، وعدمها شر، وهو ليس بشي ء حتى يكون مخلوقا، واللّه خالق كلّ شي ء، فإذا أمسك عن عبد هذه الحياة، كان إمساكها خيرا بالنسبة إليه سبحانه، وإن كان شرا بالإضافة إلى العبد لفوات ما يلتذّ ويتنعم به، فالسيئات من طبيعة النفس، ولم يمد بهذه الحياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت