فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 759

فصل

وأما قوله لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ (53) [الحج] فهي على بابها، وهي لام الحكمة والتعليل، أخبر اللّه سبحانه أنه جعل ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده، فافتتن به فريقان، وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، وعلم المؤمنون أنّ القرآن والرسول حقّ، وأن إلقاء الشيطان باطل، فآمنوا بذلك، وأخبتت له قلوبهم، فهذه غاية مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر، واللّه سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام: مريضة، وقاسية، ومخبتة، وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا، أو لا تكون كذلك، فالأول: حال القلوب القاسية الحجرية التي لا تقبل ما يبث فيها، ولا ينطبع فيها الحق، ولا ترتسم فيها العلوم النافعة، ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة. وأما النوع الثاني فلا يخلو إما أن يكون الحق ثابتا فيه، لا يزول عنه لقوته مع لينه، أو أن يكون ثابتا مع ضعف وانحلال، والثاني: هو القلب المريض، والأول هو الصحيح المخبت، وهو جمع الصلابة والصفاء واللين، فيبصر الحق بصفائه، ويشتد فيه بصلابته، ويرحم الخلق بلينه، كما في أثر مرويّ: «القلوب آنية اللّه في أرضه، فأحبّها إلى اللّه أصلبها وأرقّها وأصفاها» كما قال تعالى في أصحاب هذه القلوب أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (29) [الفتح] فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم، واشتدوا على الكفار بصلابتها، وتراحموا فيما بينهم بلينها، وذلك أنّ القلب عضو من أعضاء البدن، وهو أشرف أعضائه وملكها المطاع، وكل عضو كاليد مثلا إما أن تكون جامدة ويابسة، لا تلتوي ولا تبطش، أو تبطش

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت