فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 759

منزلة الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء، فإذا تناول الجائع الشديد الجوع من اللقمة أو اللقمتين كان غناؤها عنه وسدّها من جوعه يسيرا جدا، وكذلك المرض الذي يحتاج إلى قدر يغني من الدواء، إذا أخذ منه المريض قيراطا من ذلك، لم يزل مرضه بالكليّة، وأزال بحسبه، فما حصل الغذاء أو الشفاء للقلب بمثل الصلاة، وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه.

ثم لما أكمل صلاته، شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده، ويثني عليه بأفضل التحيات، ويسلم على من جاء بهذا الحظ الجزيل ومن نالته الأمة على يديه، ثم يسلّم على نفسه وعلى سائر عباد اللّه المشاركين له في هذه العبودية، ثم يتشهد شهادة الحق، ثم يعود فيصلي على من علّم الأمة هذا الخير، ودلّهم عليه، ثم شرع له أن يسأل حوائجه، ويدعو بما أحب ما دام بين يدي ربّه مقبلا عليه، فإذا قضى ذلك، أذن له في الخروج منها بالتسليم على المشاركين له في الصلاة، هذا إلى ما تضمنته الأحوال والمعارف من أول المقامات إلى آخرها، فلا تجد منزلة من منازل السير إلى اللّه، ولا مقاما من مقامات العارفين إلا وهو في ضمن الصلاة، وهذا الذي ذكرناه من شأنها كقطرة من بحر، فكيف يقال: إنها تكليف محض، لم يشرع لحكمة ولا لغاية قصدها الشارع، بل هي محض وكلفة ومشقّة مستندة إلى محض المشيئة، لا لغرض، ولا لفائدة البتة، بل مجرد قهر وتكليف، وليست سببا لشي ء من مصالح الدنيا والآخرة.

ثم تأمل أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها، كيف تجدها مشحونة بالحكم المقصودة والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها، التي لولاها لكان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالا، فكم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط للجوارح وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة، وألقاه عزّ النفس من درن المخالفات، فهي منظّفة للقلب والروح والبدن،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت