فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 759

في مصلحته وحكمته إلا أنه سيماء هذه الأمة، وعلامتهم في وجوههم وأطرافهم يوم القيامة بين الأمم، ليست لأحد غيرهم، ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة إلا أنّ المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة، ليستعدّ للدخول على ربه ومناجاته، والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب، فأيّ حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا؟ ولما كانت الشهوة تجري في جميع البدن حتى إنّ تحت كل شعرة شهوة، سرى غسل الجنابة إلى حيث سرت الشهوة، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: «إن تحت كل شعرة جنابة» «1» .

فأمر أن يوصل الماء إلى أصل كل شعرة، فيبرد حرارة الشهوة، فتسكن النفس، وتطمئن إلى ذكر اللّه وتلاوة كلامه والوقوف بين يديه. فو اللّه لو أن أبقراط ودونه أوصوا بمثل هذا، لخضع أتباعهم لهم فيه، وعظّموهم عليه غاية التعظيم، وأبدوا له من الحكم والفوائد ما قدروا عليه، ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهمل جوارحه، قد أسامها في مراتع الشهوات والحظوظ، أمر العبودية بجميع جوارحه كلها على ربه، وتأخذ بحظها من عبوديته، فيسلم قلبه وبدنه وجوارحه وحواسه وقواه لربه عز وجل، واقفا بين يديه مقبلا بكلّه عليه، معرضا عمن سواه، متنصّلا من إعراضه عنه وجنايته على حقه، ولما كان هذا طبعه وذاته، أمر أن يجدّد هذا الركوع إليه والإقبال عليه وقتا بعد وقت، لئلا يطول عليه الأمد، فينسى ربه، وينقطع عنه بالكلية، وكانت الصلاة من أعظم نعم اللّه عليه وأفضل هداياه التي ساقها إليه، فأبى نفاة الحكمة إلا جعلها كلفة وعناء وتعبا، لا لحكمة ولا لمصلحة البتة إلا مجرد القهر والمشيئة، وقد فتح ذلك الباب فسّاق الشريعة كلها من أولها إلى آخرها، هذا المساق، واستدلّ بما ظهر لك على ما خفي عنك، ولعل

(1) ضعيف رواه أبو داود (248) وغيره عن أبي هريرة. وفيه الحارث بن وجيه:

ضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت