فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 759

يكن قد حصل بعدوّ اللّه إبليس من السرور والمعاصي ما حصل، فكم حصل بسبب وجوده ووجود جنوده من طاعة، هي أحبّ إلى اللّه وأرضى له من جهاد في سبيله، ومخالفة هوى النفس وشهوتها له، ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته، وأحبّ شي ء للحبيب أن يرى محبّه يتحمل لأجله من الأذى والوصب «1» ما يصدق محبته.

من أجلك قد جعلت خدّي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضا

وفي أثر إلهي: بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجلي. فللّه ما أحب إليه احتمال محبيه أذى أعدائه لهم فيه وفي مرضاته، وما أنفع ذلك الأذى لهم، وما أحمدهم لعاقبته، وما ذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه، قرة عيونهم به، ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشمّوا لذلك رائحة، أو يدخلوا من هذا الباب، أو يذوقوا من هذا الشراب.

فقل للعيون العمي للشمس أعين ... سواك يراها في مغيب ومطلع

وسامح يئوسا لم يؤهّل لحبّهم ... فما يحسن التخصيص في كل موضع

فإن أغضب هذا المخلوق ربّه، فقد أرضاه فيه أنبياؤه ورسله وأولياؤه، وذلك الرضا أعظم من ذلك الغضب، وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات، فإنه سبحانه أشدّ فرحا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه، إذا وجدها في المفاوز المهلكات. وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو، فقد سرّه وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه، وهذا الرضاء أعظم عنده وأبرّ لديه من فوات ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب، وإن أسخطه أكل آدم من الشجرة، فقد أرضاه توبته وإنابته وخضوعه وتذلله

(1) الوصب: المرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت