فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 759

إلى محلّ كرامته، ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم، وليحيى الرسل بعدهم، يرى رسولا بعد رسول، فإماتتهم أصلح لهم وللأمة، أما هم فلراحتهم من الدنيا، ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور، ولا سيما وقد خيّرهم ربّهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به، وأما الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة، بل أطاعوهم بعد مماتهم، كما أطاعوهم في حياتهم، وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم، بل يعبدون اللّه بأمرهم ونهيهم، واللّه هو الحي الذي لا يموت، فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمم، هذا وهم بشر، ولم يخلق اللّه البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام، بل جعلهم خلائف في الأرض، يخلف بعضهم بعضا، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف، ولضاقت بهم الأرض، فالموت كمال لكل مؤمن، ولو لا الموت لما طاب العيش في الدنيا، ولا هناء لأهلها بها، فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة.

الوجه السابع والعشرون: قوله: أيّ حكمة ومصلحة في إخراج آدم من الجنة إلى دار الابتلاء والامتحان؟.

فالجواب أن يقال: كم للّه سبحانه في ذلك من حكمة، وكم فيه من نعمة ومصلحة تعجز العقول عن معرفتها على التفصيل، ولو استفرغت قواها كلها في معرفة ذلك. وإهباط آدم وإخراجه من الجنة كان يعسر كماله ليعود إليها على أحسن أحواله، وهو سبحانه إنما خلقه ليستعمره وذريته في الأرض، ويجعلهم خلفاء، يخلف بعضهم بعضا، فخلقهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم، وليست الجنة دار ابتلاء وتكليف، فأخرج الأبوين إلى الدار التي خلقوا منها وفيها، ليتزودوا منها إلى الدار التي خلقوا لها، فإذا وفّوا تعب دار التكليف ونصبها، عرفوا قدر تلك الدار وشرفها وفضلها، ولو نشئوا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت