فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 759

الوجه الثامن والعشرون: أنه سبحانه أبرز خلقه من العدم إلى الوجود، ليجري عليه أحكام أسمائه وصفاته، فيظهر كماله المقدس، وإن كان لم يزل كاملا، فمن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره وقضائه وقدره ووعده ووعيده ومنعه وإعطائه وإكرامه وإهانته وعدله وفضله وعفوه وإنعامه وسعة حلمه وشدة بطشه، وقد اقتضى كماله المقدس سبحانه أنه كل يوم هو في شأن، فمن جملة شئونه أن يغفر ذنبا، ويفرّج كربا، ويشفي مريضا، ويفك عانيا، وينصر مظلوما، ويغيث ملهوفا، ويجبر كسيرا، ويغني فقيرا، ويجيب دعوة، ويقيل عثرة، ويعز ذليلا، ويذل متكبرا، ويقصم جبارا، ويميت ويحيي، ويضحك ويبكي، يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويرسل رسله من الملائكة ومن البشر في تنفيذ أوامره وسوق مقاديره التي قدّرها، إلى مواقيتها التي وقّتها لها، وهذا كله لم يكن ليحصل في ذات البقاء، وإنما اقتضت حكمته البالغة حصوله في دار الامتحان والابتلاء.

يوضحه الوجه التاسع والعشرون: أنّ كمال ملكه التام اقتضى كمال تصرّفه فيه بأنواع التصرف، ولهذا جعل اللّه سبحانه الدور ثلاثة: دارا أخلصها للنعيم واللذة والبهجة والسرور، ودارا أخلصها للألم والنّصب وأنواع البلاء والشرور، ودارا خلط خيرها بشرّها، ومزج نعيمها بشقائها، ومزج لذتها بألمها يلتقيان ويطالبان، وجعل عمارة تينك الدارين من هذه الدار، وأجرى أحكامه على خلقه، في الدور الثلاثة، بمقتضى ربوبيته وإلهيته وعزته وحكمته وعدله ورحمته، فلو أسكنهم كلهم دار البقاء من حين أوجدهم، لتعطلت أحكام هذه الصفات، ولم يترتب عليها آثارها.

يوضحه الوجه الثلاثون: أنّ يوم المعاد الأكبر يوم مظهر الأسماء والصفات وأحكامها، ولهذا يقول سبحانه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16) [غافر] وقال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ (26) [الفرقان] وقال: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت