فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 759

بإعراضه عن الإيمان وتصديق رسله، يتخلص من الفتنة والمحنة، فإن بين يديه من الفتنة والمحنة والعذاب أعظم وأشق مما فرّ عنه، فإنّ المكلفين بعد إرسال الرسل إليهم بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنت، وإما أن لا يقول، بل يستمر على السيئات، فمن قال: آمنا، امتحنه الرب تعالى، وابتلاه لتتحقّق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه، وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط، بل إيمان ثابت في حالتي النّعماء والبلاء، ومن لم يؤمن، فلا يحسب أنه يعجز ربه تعالى، ويفوته، بل هو في قبضته، وناصيته بيده، فله من البلاء أعظم مما ابتلي به من قال آمنت، فمن آمن به وبرسله، فلا بد أن يبتلى من أعدائه وأعداء رسله بما يؤلمه ويشق عليه، ومن لم يؤمن به وبرسله، فلا بد أن يعاقبه، فيحصل له من الألم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين، فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد، ثم ينقطع، ويعقبه أعظم اللذة، والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداء، ثم ينقطع، ويعقبه أعظم الألم والمشقة.

وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات، فيلتذون بها ابتداء، ثم تعقبها الآلام بحسب ما نالوه منها، والذين يصبرون عنها، ينالون بفقدها ابتداء، ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه وتركوه منها، فالألم واللذة أمر ضروري لكل إنسان، لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم بون «1» ، ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات، فمن ظنّ أنه يتخلص من الألم، بحيث لا يصيبه البتة، فظنّه أكذب الحديث، فإن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح والغم، وذلك من جهتين: من جهة تركّبه وطبيعته وهيئته، فإنه مركّب من أخلاط متفاوتة متضادة، يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه، بل

(1) بون: واسع كبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت