فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 759

مراداتهم، ولما كان زمن التألم والعذاب، فصبره طويل، فأنفاسه ساعات، وساعاته أيام، وأيامه شهور وأعوام بلى سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك الابتلاء آجلا، ثم ينقطع، وضرب لأهله أجلا للقائه، يسلّيهم به، ويشكر نفوسهم، ويهون عليهم أثقاله، فقال: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) [العنكبوت] .

فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه، وأجل لقاء المبتلي سبحانه وإثباته، هان عليه ما هو فيه، وخفّ عليه حمله، ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا بمجاهدة للنفس وللشيطان ولبني جنسه، وكان العامل إذا علم أن ثمرة عمله وتعبه يعود عليه وحده، لا يشركه فيه غيره، كان أتم اجتهادا وأوفر سعيا، فقال تعالى: وَ مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6) [العنكبوت] .

وأيضا فلا يتوهم متوهّم أنّ منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال يعود على اللّه سبحانه، فإنه غنيّ عن العالمين، لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم، بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم، في معاشهم ومعادهم، ونهاهم عما يعود مضرّته وعتيه عليهم، في معاشهم ومعادهم، فكانت ثمرة هذه الابتلاء والامتحان مختصة بهم، واقتضت حكمته أن نصب ذلك سببا مفضيا إلى تميز الخبيث من الطيب، والشقي من الغويّ، ومن يصلح له ممن لا يصلح، قال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (179) [آل عمران] .

فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره ونواهيه واختياره، فامتاز برسله طيبهم من خبيثهم وجيدهم من رديئهم، فوقع الثواب والعقاب على معلوم، أظهره ذلك الابتلاء والامتحان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت