فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 759

الأصل الفاسد مما ردّه عليهم سائر العقلاء، وقالوا: قياس أفعال الرب على أفعال العباد من أفسد القياس، وكذلك قياس حكمته على حكمتهم وصفاته على صفاتهم.

ومن المعلوم أن الرب تعالى، علم أنّ عباده يقع منهم الكفر والظلم والفسوق، وكان قادرا على أن لا يوجدهم، وأن يوجدهم كلهم أمة واحدة على ما يحب ويرضى، وأن يحول بينهم وبين بغي بعضهم، ولكن حكمته البالغة أبت ذلك، واقتضت إيجادهم على الوجه الذي هم عليه، وهو سبحانه خلق النفوس أصنافا، فصنف مريد للخير وحده، وهي نفوس الملائكة، وصنف مريد للشر وحده، وهي نفوس الشياطين، وصنف فيه إرادة النوعين، وهي النفوس البشرية.

فالأولى الخير لهم طباع، وهي محمودة عليه، والشرّ للنفوس الثانية طباع، وهي مذمومة عليه، والصنف الثالث بحسب الغالب عليه من الوصفين، فمن غلب عليه وصف الخير، التحق بالصنف الأول، ومن غلب عليه وصف الشر، التحق بالصنف الثالث، فإذا اقتضت الحكمة وجود هذا الصنف الثالث، فأن يقتضي وجود الثاني أولى وأحرى، والربّ تعالى اقتضت قدرته وعزته وحكمته إيجاد المتقابلات في الذوات والصفات والأفعال كما تقدم، وقد نوّع خلقه تنويعا دالا على كمال قدرته وربوبيته، فمن أعظم الجهل والضلال أن يقول القائل: هلّا كان خلقه كلهم نوعا واحدا؟ فيكون العالم علوا كله، أو نورا كله. أو الحيوان ملكا كله، وقد يقع في الأوهام الفاسدة، أنّ هذا كان أولى وأكمل، ويعرض الوهم الفاسد ما ليس ممكنا كمالا.

الوجه السادس والثلاثون: قوله: وأيّ حكمة في إيلام الحيوانات غير المكلفة؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت