فهرس الكتاب
أصعب منها، وإما لتولدها عن لذات ونعم، يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات، وإما أن يكون من لوازم العدل أو لوازم الفضل والإحسان، فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ملزوماتها، فات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام. والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك، فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر، وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى، كما سماه اللّه بقوله: وإن كان بكم أذى من مطر. وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام لصنوف الحيوانات، وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرئاسة، ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولدة منها، بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق، كالعلم والشجاعة والزهد والعفة والحلم والمروءة والصبر والإحسان، كما قال:
لو لا المشقة ساد الناس كلّهم ... الجود يفقر والإقدام قتّال
وإذا كانت الآلام أسبابا للذّات أعظم منها وأدوم، كان العقل يقضي باحتمالها، وكثيرا ما تكون الآلام أسبابا لصحة، لو لا تلك الآلام لفاتت، وهذا شأن أكبر أمراض الأبدان، فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان ما لا يعلمه إلا اللّه، وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفجة وإخراجها ما لا يصل إليه دواء غيرها، وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى، استبشر بها الطبيب.
وأما انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمر لا يحس به إلا من فيه حياة، فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها، وقد أحصيت فوائد الأمراض، فزادت على مائة فائدة، وقد حجب اللّه سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره، وجعلها جسرا موصلا إليها، كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات، وجعلها جسرا موصلا إليها، ولهذا قالت العقلاء