فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 759

تقديرا ذهنيا، ويحسب أنها أكمل من الممكن الواقع، ومع هذا فربها يرحمها، لجهلها وعجزها ونقصها، فإن اعترفت بذلك، واعترفت له بكماله وحمده، وقامت بمقتضى هذين الاعترافين، كان نصيبها من الرحمة أوفر، واللّه سبحانه افتتح الخلق بالحمد، وختم أمر هذا العالم بالحمد فقال:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ (1) [الأنعام] وقال: وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (75) [الزمر] .

وأنزل كتابه بالحمد، وشرع دينه بالحمد، وأوجب ثوابه وعقابه بالحمد، فحمده من لوازم ذاته، إذ يستحيل أن يكون إلا محمودا، فالحمد سبب الخلق، وغايته الحمد، أوجبه، وللحمد وجد، فحمده واسع لما وسعه علمه ورحمته، وقد وسع ربّنا كلّ شي ء رحمة وعلما، فلم يوجد شيئا، ولم يقدره، ولم يشرعه إلا بحمده ولحمده، وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات الحميدة، ولا بد من لوازمها ولوازم لوازمها ولهذا ملأ حمده سماواته وأرضه وما بينهما وما شاء من شي ء بعد مما خلقه ويخلقه بعد هذا الخلق، فحمده ملأ ذلك كله.

وحمده تعالى أنواع: حمد على ربوبيته، وحمد على تفرده بها، وحمد على ألوهيته وتفرده، وحمد على نعمته، وحمد على منّته، وحمد على حكمته، وحمد على عدله في خلقه، وحمد على غناه عن إيجاد الولد والشريك والوليّ من الذّلّ، وحمده على كماله الذي لا يليق بغيره، فهو محمود على كل حال، وفي كل آن ونفس، وعلى كل ما فعل وكل ما شرع، وعلى كل ما هو متّصف به، وعلى كل ما هو منزه عنه، وعلى كل ما في الوجود من خير وشر ولذة وألم وعافية وبلاء، فكما أن الملك كله له، والقدرة كلها له، والعزة كلها له، والعلم كله له، والجمال كله له، والحمد كله له، كما في الدعاء المأثور: «اللهم لك الحمد كلّه، ولك الملك كله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت