فهرس الكتاب

الصفحة 610 من 759

يعتقد هذا، فليس بمؤمن ولا مصدق للرسل، فهذا في المبدأ، وذاك في المعاد.

ثم جاءت طائفة أخرى، فطووا بساط الخلق والأمر جملة، وقالوا: كل هذا محال وتلبيس، وما ثمّ وجودان، بل الوجود كله واحد، ليس هناك خالق ومخلوق ورب ومربوب، وطاعة ومعصية، وما الأمر إلا نسق واحد، والتفريق من أحكام الوهم والخيال، فالسماوات والأرض والدنيا والآخرة، والأزل والأبد، والحسن والقبيح، كله شي ء واحد، وهو من عين واحدة. ثم استدركوا، فقالوا: لا بل هو العين، ونشأ الناس، إلا من شاء اللّه، بين هؤلاء الطوائف الأربع، لا يعرفون سوى أقوالهم ومذاهبهم، فعظمت البلية، واشتدت المصيبة، وصار أذكياء الناس زنادقة العالم، وأدناهم إلى الخلاص أهل البلادة والبله، والعقل والسمع عن هذه الفرق بمعزل، ومنازلهم منهما أبعد منزل، فنقول وباللّه التوفيق، واللّه المستعان، وعليه التكلان:

دل القرآن والسنة والفطرة وأدلة العقول أنه سبحانه خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق، ولم يخلق شيئا عبثا ولا سدى ولا باطلا، وإنما أوجد العالم العلويّ والسفلي ومن فيهما، بالحقّ الذي هو وصفه واسمه وقوله وفعله، وهو سبحانه الحق المبين، فلا يصدر عنه إلا حق، لا يقول إلا حقا، ولا يفعل إلا حقا، ولا يأمر إلا بالحق، ولا يجازي إلا بحق، فالباطل لا يضاف إليه، بل الباطل، ما لم يضف إليه، كالحكم الباطل والدين الباطل الذي لم يأذن فيه، ولم يشرعه على ألسنة رسله، والمعبود الباطل الذي لا يستحق العبادة، وليس أهلا لها، فعبادته باطلة، ودعوته باطلة، والقول الباطل هو الكذب والزور، والمحال من القول الذي لا يتعلق بحق موجود، بل متعلقه باطل، لا حقيقة له، وهو سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته ومعرفته، وأصل عبادته محبته على آلائه ونعمه، وعلى كماله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت