فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 759

وفي صحيح مسلم «1» ، من حديث عياض بن حمار المجاشعي، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فما يروي عن ربه قال: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا» .

فأخبر أن الأصل فيهم الحنيفية، وأنهم خلقوا عليها، وإن صدّها عارض فيهم، باقتطاع الشياطين لهم عنها، فمن الممتنع أن يعمل أثر اقتطاع الشياطين، ولا يعمل أثر خلق الرحمن جل جلاله عمله، والكل خلقه سبحانه، فلا خالق سواه، ولكن ذاك خلق يحبه ويرضاه، ويضاف أثره إليه، وهذا خلق يبغضه ويسخطه، ولا يضاف أثره إليه، فإن الشر ليس إليه، والخير كله في يديه، فإن قيل: فقد قال سبحانه: وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ (23) [الأنفال] وهذا يقتضي أنه لا قابلية فيهم، ولا خير عندهم البتة، ولو كان عندهم، لخرجوا به من النار مع الموحّدين، فإنه سبحانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من خير، فعلم أن هؤلاء ليس معهم هذا القدر اليسير من الخير.

قيل: الخير في هذا الحديث هو الإيمان باللّه ورسله، كما في اللفظ الآخر: أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، وهو تصديق رسله، والانقياد لهم بالقلب والجوارح. وأما الخير في الآية، فالمراد به القبول والزكاء، ومعرفة قدر النعمة، وشكر المنعم عليها، فلو علم اللّه سبحانه ذلك فيهم، لأسمعهم إسماعا ينتفعون به، فإنهم قد سمعوا سماعا تقوم به عليهم الحجة، فتلك القابلية ذهب أثرها، وتعطلت بالكفر والجحود، وعادت كالشي ء المعدوم الذي لا ينتفع به، وإنما ظهر أثرها في قيام الحجة عليهم، ولم

(1) مسلم (2865) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت