فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 759

قد عرف بطلان بعضها، وهو ثقة في نفسه، وأحسن أحوال هذا وأمثاله أن يكون كالمراسيل، إن كان مأخوذا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، فكيف إذا كان مأخوذا عن أهل الكتاب، ولو لم يكن في هذا إلا معارضة لسائر الآثار التي تتضمن التسوية بين جميع الناس في الإقرار لكفى، وأما قوله تعالى: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعًا وَ كَرْهًا (83) [آل عمران] فإنما هو في الإسلام الموجود بعد خلقهم، لم يقل: إنهم حين العهد الأول، أسلموا طوعا وكرها، يدل على ذلك أن ذلك الإقرار الأول جعله اللّه عليهم حجة على من ينساه، ولو كان فيهم كاره لقال: لم أقرّ طوعا بل كرها، فلا يقوم به عليه حجة. وأما احتجاج أحمد بقول أبي هريرة: اقرءوا إن شئتم فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) [الروم] فهذه الآية فيها قولان:

أحدهما: أن معناها النهي، كما تقدم عن ابن جرير أنه فسرها؛ فقال:

أي: لا تبدّلوا دين اللّه الذي فطر عليه عباده. وهذا قول غير واحد من المفسرين، لم يذكروا غيره.

والثاني: ما قاله إسحاق، وهو أنها خبر على ظاهرها، وأنّ خلق اللّه لا يبدّله أحد، وظاهر اللفظ خبر، فلا يجعل نهيا بغير حجة. وهذا أصح.

وحينئذ فيكون المراد: أنّ ما جبلهم عليه من الفطرة لا يبدل، فلا يجبلون على غير الفطرة، لا يقع هذا أصلا. والمعنى أن الخلق لا يتبدل، فيخلقون على غير الفطرة، ولم يرد بذلك أن الفطرة لا تتغير بعد الخلق، بل نفس الحديث يبين أنها تتغير، ولهذا شبهها بالبهيمة التي تولد جمعاء، ثم تجدع، ولا تولد بهيمة مخصية، ولا مجدوعة. وقد قال تعالى عن الشيطان وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ (119) [النساء] فاللّه أقدر الخلق على أن يغيروا ما خلقهم عليه بقدرته ومشيئته، وإنما تبديل الخلق بأن يخلقوا على غير تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت