فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 759

مستدل، فإن النفس قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما يحتاج معه إلى كلام الناس، فإن كان كلّ مولود يولد على هذه الفطرة، لزم أن يكون المقتضي للمعرفة حاصلا لكل مولود، وهو المطلوب. والمقتضي التام مستلزم مقتضاه، فتبيّن أنّ أحد الأمرين لازم. أما كون الفطرة مستلزمة للمعرفة، وأما استواء الأمرين بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها.

وتلخيص ذلك أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكن بلا ريب، فإما أن تكون هي موجبة مستلزمة لذلك، وإما أن لا تكون مستلزمة له، فلا يكون واجبا لها، فإن كان الثاني، لم يكن فرق بين الكفر والإيمان بالنسبة إليها، أو كلاهما ممكن لها، فثبت أن المعرفة لازمة لها، إلا أن يعارضها معارض، فإن قيل: ليست موجبة مستلزمة للمعرفة، ولكن هيئ إليها الميل مع قبولها للنكرة. قيل: فحينئذ إذا لم تستلزم المعرفة، وجدت تارة، وعدمت تارة، وهي وحدها لا يحصلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام والتهويد والتنصير والتمجيس.

ومعلوم أن هذه أنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض، كالتمجس، فإن لم تكن الفطرة مقتضية للإسلام، صار نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التمجيس، فوجب أن يذكر كما ذكر ذلك، ويكون هذا كمكون الفطرة، لا يقضي الرضاع إلا بسبب منفصل، وليس كذلك، بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه، فإذا مكن من الثدي، وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف اللّه. والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض.

وأيضا فإن حبّ النفس للّه وخضوعها له وإخلاصها له، مع الكفر به والشرك والإعراض عنه ونسيان ذكره، إما أن يكون نسبتهما إلى الفطرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت