فهرس الكتاب

الصفحة 739 من 759

وتشهد بأنه ربها ومليكها وفاطرها، فلا بد لكل أحد من إله يألهه، وصمد يصمد إليه، والعباد مفطورون على محبة الإله الحق، ومعلوم بالضرورة أنهم ليسوا مفطورين على تأله غيره، فإذا إنما فطروا على تألهه وعبادته وحده، فلو خلّوا وفطرهم لما عبدوا غيره، ولا تألهوا سواه.

يوضحه الوجه الخامس عشر: أنه يستحيل أن تكون الفطرة خالية عن التأله والمحبة، ويستحيل أن يكون فيها تألّه غير اللّه لوجوه، منها: أن ذلك خلاف الواقع. ومنها: أن ذلك المخلوق ليس أولى أن يكون إلها لكل الخلق من المخلوق الآخر. ومنها: أن المشركين لم يتفقوا على إله واحد، بل كل طائفة تعبد ما تستحسنه. ومنها: أن ذلك المخلوق إن كان ميتا، فالحيّ أكمل منه، فيمتنع أن يكون الناس مفطورين على عبادة الميت، وإن كان حيا، فهو أيضا مريد، فله إله تألّهه، وحينئذ فلزم الدور الممتنع أو التسلسل الممتنع، فلا بد للخلق كلهم من إله يألهونه، ولا يأله هو غيره، وهذا برهان قطعي ضروري، فإن قلت: هذا يستلزم أنه لا بد لكل حي مخلوق من إله، ولكن لم لا يجوز أن يكون مطلوب النفس هو مطلق التأله والمألوه، لا إلها معينا كما تقوله طوائف الاتحادية؟ قلت هذا يتبين:

بالوجه السادس عشر: وهو أن المراد إما أن يراد لنوعه أو لعينه، فالأول كإرادة العطشان والجائع والعاري لنوع الشراب والطعام واللباس، فإنه إنما يريد النوع، وحيث أراد المعين فهو القدر المشترك بين أفراده، وذلك القدر المشترك كلّي، لا وجود له في الخارج، فيستحيل أن يراد لذاته، إذ المراد لذاته لا يكون إلا معيّنا، ويستحيل أن يوجد في اثنين، فإنّ إرادة كل واحد منهما لذاته تنافي إرادته لذاته، إذ المعنى بإرادته لذاته أنه وحده هو المراد لذاته الخاصة، وهذا يمنع أن يراد معه ثان لذاته، وإذا عرف ذلك، فلو كان القدر المشترك بين أفراد النوع أو بين الاثنين هو المراد لذاته، لزم أن يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت