والدتى! قال له الاسكندر: لا باس عليك، فقد أخذت علىّ والدتك العهد والمواثيق أ لا ينالك منى سوء. وقد كنت عاهدتك ان اضع يد الاسكندر في يدك حيث لا يكون له ناصر من اصحابه «1» ، وقد بررت يمينى «2» ، وانا في مجلس امّك، ووضعت يدى في يدك كما حلفت لك. واقرأ امّك سلامى، واعلمها «3» انّى واف لها بجميع ما عاهدتها عليه، وان اكون لها سلما ما بقيت. ثم وصله، واعطى من كان معه اموالا عظيمة وردهّ الى مملكته محفوظا مصونا. والسلام.
حديث مسير الاسكندر الى البرجمانيين
قال: ثم ان الاسكندر سار من ذلك المكان مسالما لقندافة، متنكّبا عن بلادهم، متباينا عن مغرب الشمس، حتّى انتهى الى امّة من الناس من بنى اسرائيل بذلك المكان، بمدينة لهم وكانوا عبّادا زهادا اتقياء ابرارا اخيارا. فلّما انتهى الى ارضهم، وبلغهم وروده عليهم؛ اجتمع عظماؤهم وخيارهم فكتبوا اليه:
بسم الله الرحمن الرحيم. من البرنيين، الفقراء الى اللّه، جلّ جلاله وتقدّست اسماؤه الى الاسكندر المغترّ بالدّنيا المبعوث اليها. امّا بعد. فقد بلغنا مسيرك الينا، فان كنت محاربا لنا كما حاربت غيرنا، لتاخذ من دنياهم، فانصرف راجعا فليس لك عندنا طائل ولا لك في قتالنا نفع. لانّا اناس مساكين، ليس لنا اموال، ولا في ارضنا رغبة للملوك، مع انا «4» لم نقاتل احدا، ولا لنا معرفة بحرب. وان كنت انّما تقصد لطلب العلم، فارغب الى الله، تعالى وسله ان يفهمك ويهديك الينا، مع علمنا بانّك ذلك، لا نغماسك في الدنيا، وانهماكك بلا فكرة في زوالها وانقطاعها. فامّا نحن، فقد تخليّنا عن الدنيا، وخلّيناها لاهلها، ورفضناها، ورغبنا في الآخرة، وتشوقنّا اليها. فانصرف ايّها العبد «5» الضعيف عنّا، فلا ارب لك فينا. والسلام.
فلمّا اتاه الكتاب عزم على اتيانهم في مائة رجل من علماء اصحابه وزهّادهم، وكان بينه وبينهم بحر «6» رمل يجرى كما يجرى الماء، ويسكن كل يوم سبت، فلا يتحرك الى الليل. ومدينتهم تسمى معبارات وحولها تسع قريات لهم متفرّقون فيها، وتسميتها:
(1) . تاريخ: لى ناصر من اصحابى
(2) . تاريخ: يمينى في يمينك
(3) . تاريخ: فاعلمها
(4) . تاريخ: اننا
(5) . النهاية: العبد الصالح
(6) . اصل: بحور